القرطبي
396
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
على الموصوف ، وكذلك " ممن ترضون " مثله ، خلاف ما قال أبو حنيفة ، ثم لا يعلم كونه مرضيا حتى يختبر حاله ، فيلزمه ألا يكتفي بظاهر الاسلام . وذهب أحمد بن حنبل ومالك في رواية ابن وهب عنه إلى رد شهادة البدوي على القروي لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية " . والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضيا ، على ما يأتي في " النساء ( 1 ) " و " براءة ( 2 ) " إن شاء الله تعالى . وليس في حديث أبي هريرة فرق بين القروي في الحضر أو السفر ، ومتى كان في السفر فلا خلاف في [ قبوله ( 3 ) ] . قال علماؤنا : العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية ، وذلك يتم بأن يكون مجتنبا للكبائر محافظا على مروءته وعلى ترك الصغائر ، ظاهر الأمانة غير مغفل . وقيل : صفاء السريرة واستقامة السيرة في ظن المعدل ، والمعنى متقارب . الثالثة والثلاثون - لما كانت الشهادة ولاية عظيمة ومرتبة منيفة ، وهي قبول قول الغير على الغير ، شرط تعالى فيها الرضا والعدالة . فمن حكم الشاهد أن تكون له شمائل ينفرد بها وفضائل يتحلى بها حتى تكون له مزية على غيره ، توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله ، ويحكم بشغل ذمة المطلوب بشهادته . وهذا أدل دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالامارات والعلامات عند علمائنا على ما خفى من المعاني والاحكام . وسيأتي لهذا في سورة " يوسف ( 4 ) " زيادة بيان إن شاء الله تعالى . وفيه ما يدل على تفويض الامر إلى اجتهاد الحكام ، فربما تفرس في الشاهد غفلة أو ريبة فيرد شهادته لذلك . الرابعة والثلاثون - قال أبو حنيفة : يكتفى بظاهر الاسلام في الأموال دون الحدود . وهذه مناقضة تسقط كلامه وتفسد عليه مرامه ، لأننا نقول : حق من الحقوق . فلا يكتفى في الشهادة عليه بظاهر الدين كالحدود ، قاله ابن العربي . الخامسة والثلاثين - وإذ قد شرط الله تعالى الرضا والعدالة في المداينة كما بينا فاشتراطها في النكاح أولى ، خلافا لأبي حنيفة حيث قال : أن النكاح ينعقد بشهادة فاسقين . فنفى
--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 412 . ( 2 ) راجع ج 8 ض 232 . ( 3 ) كذا في ط . وفى باقي الأصول : فلا خلاف في قوله . ( 4 ) راجع ح 9 ص 173 فما بعد وص 245