القرطبي
348
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الآيات الثلاث ( 1 ) تضمنت أحكام الربا وجواز عقود المبايعات ، والوعيد لمن استحل الربا وأصر على فعله . وفى ذلك ثمان وثلاثون مسألة : الأولى - قوله تعالى : ( الذين يأكلون الربا ) يأكلون يأخذون ، فعبر عن الاخذ بالاكل ، لان الاخذ إنما يراد للاكل . والربا في اللغة الزيادة مطلقا ، يقال : ربا الشئ يربو إذا زاد ، ومنه الحديث : " فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها " يعنى الطعام الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة ، خرج الحديث مسلم رحمه الله . وقياس كتابته بالياء للكسرة ( 2 ) في أوله ، وقد كتبوه في القرآن بالواو . ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الاطلاق فقصره على بعض موارده ، فمرة أطلقه على كسب الحرام ، كما قال الله تعالى في اليهود : " وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ( 3 ) " . ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام ، كما قال تعالى : " سماعون للكذب أكالون للسحت ( 3 ) " يعنى به المال الحرام من الرشا ، وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا : " ليس علينا في الأميين سبيل ( 4 ) " . وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب . والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان : تحريم النساء ، والتفاضل في العقود ( 5 ) وفى المطعومات على ما نبينه . وغالبه ما كانت العرب تفعله ، من قولها للغريم : أتقضى أم تربى ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه . وهذا كله محرم باتفاق الأمة . الثانية - أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال ، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه . ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة ، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة ، فإن قيل لفاعلها ، آكل الربا فتجوز وتشبيه . الثالثة - روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء " .
--> ( 1 ) كذا في كل الأصول ، وقوله : ثمان وثلاثون مسألة ، تضمن الآيات الخمس . ( 2 ) يريد الإمالة . ( 3 ) راجع ج 6 ص 182 . وص 236 ( 4 ) راجع ج 4 ص 115 ( 5 ) في ح وه وج : النقود .