القرطبي
343
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
المسألة عفة تامة ، وعلى هذا جمهور المفسرين ، ويكون التعفف صفة ثابتة لهم ، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح . وقال قوم : إن المراد نفى الالحاف ، أي إنهم يسألون غير إلحاف ، وهذا هو السابق للفهم ، أي يسألون غير ملحفين . وفى هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا . روى الأئمة واللفظ لمسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته منى شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته " . وفى الموطأ " عن زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن رجل من بنى أسد أنه قال : نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد ( 1 ) فقال لي أهلي : أذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله لنا شيئا نأكله ، وجعلوا يذكرون من حاجتهم ، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا أجد ما أعطيك " فتولى الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول : لعمري إنك لتعطى من شئت ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه يغضب على ألا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا ( 2 ) " . قال الأسدي : فقلت للقحة ( 3 ) لنا خير من أوقية - قال مالك : والأوقية أربعون درهما - قال : فرجعت ولم أسأله ، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب ( 4 ) فقسم لنا منه حتى أغنانا الله " . قال ابن عبد البر : هكذا رواه مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره ، وهو حديث صحيح ، وليس حكم الصحابي ( 5 ) إذا لم يسم كحكم من دونه إذا لم يسم عند العلماء ، لارتفاع الجرحة عن جميعهم وثبوت العدالة لهم . وهذا الحديث يدل على أن السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة ، فمن سأل وله هذا الحد والعدد والقدر من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عدلا منها فهو ملحف ، وما علمت أحدا من أهل العلم إلا وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة أو عدلها من الذهب على ظاهر هذا الحديث . وما جاءه من غير مسألة فجائز له أن يأكله
--> ( 1 ) بقيع الغرقد : مقبرة مشهورة بالمدينة . ( 2 ) الحديث كما في الطبعة الهندية . وفى الأصول : فقد ألحف . ( 3 ) اللقحة ( بفتح اللام وكسرها ) : الناقة ذات لبن القريبة العهد بالنتاج . ( 4 ) في ب : وزيت . ( 5 ) في الأصول : " الصاحب " .