القرطبي
341
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وهذا في صدر الاسلام ، فعلتهم ( 1 ) تمنع من الاكتساب بالجهاد ، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة فبقوا فقراء . وقيل : معنى " لا يستطيعون ضربا في الأرض " أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد . والأول أظهر . والله أعلم . الثانية - قوله تعالى : ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء . وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه . وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم ، وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرضى ولا عميان . والتعفف تفعل ، وهو بناء مبالغة من عف عن الشئ إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه ، وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره . وفتح السين وكسرها في " يحسبهم " لغتان . قال أبو علي : والفتح أقيس ، لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتى في المضارع مفتوحة . والقراءة بالكسر حسنة ، لمجئ السمع به وإن كان شاذا عن القياس . و " من " في قوله " من التعفف " لابتداء الغاية . وقيل لبيان الجنس . الثالثة - قوله تعالى : ( تعرفهم بسيماهم ) فيه دليل على أن للسيما أثرا في اعتبار من يظهر عليه ذلك ، حتى إذا رأينا ميتا في دار الاسلام وعليه زنار ( 2 ) وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين ، ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء ، ومنه قوله تعالى : " ولتعرفنهم في لحن القول ( 3 ) " . فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزى ( 4 ) في التجمل . واتفق العلماء على ذلك ، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج . فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة ، والشافعي اعتبر قوت سنة ، ومالك اعتبر أربعين درهما ، والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب . والسيما ( مقصورة ) : العلامة ، وقد تمد فيقال السيماء . وقد اختلف العلماء في تعيينها هنا ، فقال مجاهد : هي الخشوع والتواضع . السدى : أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلة
--> ( 1 ) كذا في ج . راجع الطبري . وباقي الأصول : فقلتهم . ( 2 ) الزنار ( بضم الزاي وتشديد النون ) : ما يشده الذمي على وسطه . ( 3 ) راجع ج 16 ص 251 . ( 4 ) في ج : زين .