القرطبي

330

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( يؤت الحكمة من يشاء ) أي يعطيها لمن يشاء من عباده . وأختلف العلماء في الحكمة هنا ، فقال السدى : هي النبوة . ابن عباس : هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره . وقال قتادة ومجاهد : الحكمة هي الفقه في القرآن . وقال مجاهد : الإصابة في القول والفعل . وقال ابن زيد : الحكمة العقل في الدين . وقال مالك بن أنس : الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له . وروى عنه ابن القاسم أنه قال : الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له . وقال أيضا : الحكمة طاعة الله والفقه في الدين والعمل به . وقال الربيع بن أنس : الحكمة الخشية . وقال إبراهيم النخعي : الحكمة الفهم في القرآن ، وقاله زيد بن أسلم . وقال الحسن : الحكمة الورع . قلت : وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدى والربيع والحسن قريب بعضها من بعض ، لان الحكمة مصدر من الاحكام وهو الاتقان في قول أو فعل ، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس ، فكتاب الله حكمة ، وسنة نبيه حكمة ، وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة . وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه ، فقيل للعلم حكمة ، لأنه يمتنع به ، وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعل قبيح ، وكذا القرآن والعقل والفهم . وفى البخاري : " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " وقال هنا : " ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا " وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها اعتناء بها ، وتنبيها على شرفها وفضلها حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى : " فبدل الذين ظلموا قولا ( 1 ) " . وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده : حدثنا مروان بن محمد حدثنا رفدة الغساني قال أخبرنا ثابت بن عجلان الأنصاري قال : كان يقال : إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم . قال مروان : يعنى بالحكمة القرآن . قوله تعالى : ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب ) يقال : إن من أعطى الحكمة والقرآن فقد أعطى أفضل ما أعطى من جمع علم كتب الأولين

--> ( 1 ) راجع المسألة الثالثة ج 1 ص 416