القرطبي
321
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد . والآية تعم الوجهين ، لكن صاحب الزكاة تعلق بأنها مأمور بها والامر على الوجوب ، وبأنه نهي عن الردئ وذلك مخصوص بالفرض ، وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بالقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر ، ودرهم خير من تمرة . تمسك أصحاب الندب بأن لفظة افعل صالح للندب صلاحيته للفرض ، والردئ منهي عنه في النقل كما هو منهي عنه في الفرض ، والله أحق من اختير له . وروى البراء أن رجلا علق قنو ( 1 ) حشف ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " بئسما علق " فنزلت الآية ، خرجه الترمذي وسيأتي بكماله . والامر على هذا القول على الندب ، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بجيد مختار . وجمهور المتأولين قالوا : معنى " من طيبات " من جيد ومختار " ما كسبتم " . وقال ابن زيد : من حلال " ما كسبتم " . الثانية - الكسب يكون بتعب بدن وهي الإجارة وسيأتي حكمها ، أو مقاولة في تجارة وهو البيع وسيأتي بيانه . والميراث داخل في هذا ، لان غير الوارث قد كسبه . قال سهل بن عبد الله : وسئل ابن المبارك عن الرجل يريد أن يكتسب وينوى باكتسابه أن يصل به الرحم وأن يجاهد ويعمل الخيرات ويدخل في آفات الكسب لهذا الشأن . قال : إن كان معه قوام من العيش بمقدار ما يكف ( 2 ) نفسه عن الناس فترك هذا أفضل ، لأنه إذا طلب حلالا وأنفق في حلال سئل عنه وعن وكسبه وعن إنفاقه ، وترك ذلك زهد فإن الزهد في ترك الحلال . الثالثة - قال ابن خويز منداد : ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أولادكم من طيب أكسابكم فكلوا من أموال أولادكم هنيئا " . الرابعة - قوله تعالى : ( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) يعنى النبات والمعادن والركاز ، وهذه أبواب ثلاثة تضمنتها هذه الآية . أما النبات فروى الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها قالت : جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمسة
--> ( 1 ) القنو : العذق وهو عنقود النخلة : الشماريخ مثمرة . والحشف : التمر يجف قبل النضج فيكون رديئا وليس له لحم . ( 2 ) في ج وب : يكفي .