القرطبي

314

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فاتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ( 265 ) قوله تعالى : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم ) " ابتغاء " مفعول من أجله . " وتثبيتا من أنفسهم " عطف عليه . وقال مكي في المشكل : كلاهما مفعول من أجله . قال ابن عطية : وهو مردود ، ولا يصح في " تثبيتا " أنه مفعول من أجله ، لان الانفاق ليس من أجل التثبيت . و " ابتغاء " نصب على المصدر في موضع الحال ، وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله ، لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو " تثبيتا " عليه . ولما ذكر الله تعالى صفة صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم ، ونهي المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما ، عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم إذ كانت على وفق الشرع ووجهه . و " ابتغاء " معناه طلب . و " مرضات " مصدر من رضى يرضى . " وتثبيتا " معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم ، قال مجاهد والحسن . قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك . وقيل : معناه تصديقا ويقينا ، قاله ابن عباس . وقال ابن عباس أيضا وقتادة : معناه واحتسابا من أنفسهم . وقال الشعبي والسدي وقتادة أيضا وابن زيد وأبو صالح وغيرهم : " وتثبيتا " معناه وتيقنا أي أن نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الانفاق في طاعة الله تعالى تثبيتا . وهذه الأقوال الثلاث أصوب من قول الحسن ومجاهد ، لان المعنى الذي ذهبا إليه إنما عبارته " وتثبيتا " مصدر على غير المصدر . قال ابن عطية : وهذا لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والافصاح بالفعل المتقدم ، كقوله تعالى : " والله أنبتكم من الأرض ( 1 ) نباتا " ، " وتبتل ( 2 ) إليه تبتيلا " . وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتى بمصدر في غير معناه ثم تقول : أحمله على معنى كذا وكذا ، لفعل لم يتقدم له ذكر . قال ابن عطية : هذا مهيع كلام العرب فيما علمته . وقال النحاس :

--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 305 . ( 2 ) راجع ج 19 ص 42