القرطبي
295
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
مائة سنة . قال : فالله أماتني مائة سنة ثم بعثني . قالت : فعزير كان مستجاب الدعوة للمريض وصاحب البلاء فيفيق ، فادع الله يرد على بصري ، فدعا الله ومسح على عينيها بيده فصحت مكانها كأنها أنشطت من عقال . قالت : أشهد أنك عزير ! ثم انطلقت إلى ملا بني إسرائيل وفيهم ابن لعزير شيخ ابن مائة وثمانية وعشرين سنة ، وبنو بنيه شيوخ ، فقالت : يا قوم ، هذا والله عزير ! فأقبل إليه ابنه مع الناس فقال ابنه : كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه ، فنظرها فإذا هو عزير . وقيل : جاء وقد هلك كل من يعرف ، فكان آية لمن كان حيا من قومه إذ كانوا موقنين بحاله سماعا . قال ابن عطية : وفى إماتته هذه المدة ثم إحيائه بعدها أعظم آية ، وأمره كله آية غابر الدهر ، ولا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض . قوله تعالى : ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ) قرأ الكوفيون وابن عامر بالزاي والباقون بالراء ، وروى أبان عن عاصم " ننشرها " بفتح النون وضم الشين والراء ، وكذلك قرأ ابن عباس والحسن وأبو حياة ، فقيل : هما لغتان في الاحياء بمعنى ، كما يقال رجع ورجعته ، وغاض الماء وغضته ، وخسرت الدابة وخسرتها ، إلا أن المعروف في اللغة أنشر الله الموتى فنشروا ، أي أحياهم الله فحيوا ، قال الله تعالى : " ثم إذا شاء أنشره " ( 1 ) ويكون نشرها مثل نشر الثوب . نشر الميت ينشر نشورا أي عاش بعد الموت ، قال الأعشى : حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر فكأن الموت طي للعظام والأعضاء ، وكأن الاحياء وجمع الأعضاء بعضها إلى بعض نشر . وأما قراءة " ننشزها " بالزاي فمعناه نرفعها . والنشز : المرتفع من الأرض ، قال : ترى الثعلب الحولى فيها كأنه * إذا ما علا نشزا حصان مجلل قال مكي : المعنى : انظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب للاحياء ، لان النشز الارتفاع ، ومنه المرأة النشوز ، وهي المرتفعة عن موافقة زوجها ، ومنه قوله تعالى : " وإذا قيل انشزوا فانشزوا " ( 2 ) أي ارتفعوا وانضموا . وأيضا فإن القراءة بالراء بمعنى الاحياء ، والعظام لا تحيا على الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض ، والزاي أولى بذلك المعنى ، إذ هو
--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 215 ( 2 ) راجع ج 17 ص 296