القرطبي
28
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة عليه . قال مجاهد والحسن وغيرهما : يعنى الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك . وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ . قوله تعالى : ( ومن يبدل نعمة الله من بعد جاءته ) لفظ عام لجميع العامة ، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل ، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فاللفظ ( 1 ) منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى . وقال الطبري : النعمة هنا الاسلام ، وهذا قريب من الأول . ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش ، فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم ، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا . قوله تعالى : ( فإن الله شديد العقاب ) خبر يتضمن الوعيد . والعقاب مأخوذ من العقب ، كأن المعاقب يمشى بالمجازاة له في آثار عقبه ، ومنه عقبة ( 2 ) الراكب وعقبة القدر ( 3 ) . فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب ، وقد عاقبه بذنبه . قوله تعالى : زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة والله يرزق من يشاء بغير حساب ( 212 ) قوله تعالى : ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) على ما لم يسم فاعله . والمراد رؤساء قريش . وقرأ مجاهد وحميد بن قيس على بناء الفاعل . قال النحاس : وهي قراءة شاذة ، لأنه لم يتقد للفاعل ذكر . وقرأ ابن أبي عبلة " زينت " بإظهار العلامة ، وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي ، والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر ، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه . وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة ، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها . وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا ،
--> ( 1 ) في من " فالجحود " . ( 2 ) عقبة الراكب ( بضم فسكون ) : الموضع يركب منه . ( 3 ) في هامش ب " في الصحاح : والعقبة أيضا شئ من المرق يرده مستعير القدر إذا ردها " .