القرطبي

286

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الذي يحيى ويميت . قال النمروذ : أنا أحيى وأميت ، وأنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا ولا يطعمون شيئا ولا يسقون حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا وتركت اثنين فماتا . فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت . وذكر الأصوليون في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الاحياء والإماتة لكنه أمر له حقيقة ومجاز ، قصد إبراهيم عليه السلام إلى الحقيقة ، وفزع نمروذ إلى المجاز وموه على قومه ، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل وانتقل معه من المثال وجاءه بأمر لا مجاز فيه ( فبهت الذي كفر ) أي انقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق ، لان ذوي الألباب يكذبونه . الثانية - هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الملك والعز والرفعة في الدنيا ، وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة . وفى القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله ، قال الله تعالى : " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ( 1 ) " . " إن عندكم من سلطان ( 2 ) " أي من حجة . وقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة " الأنبياء " وغيرها . وقال في قصة نوح عليه السلام : " قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ( 3 ) " الآيات إلى قوله : " وأنا برئ مما تجرمون " . وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي . فهو كله تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدين ، لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل . وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم ( 4 ) بعد الحجة ، على ما يأتي بيانه في " آل عمران " . وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة . وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صدر ( 5 ) الحق في أهله ، وتناظروا بعد مبايعة أبى بكر في أهل الردة ، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده . وفى قول الله عز وجل : " فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ( 4 ) " دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع ( 6 ) لمن تدبر . قال المزني صاحب الشافعي : ومن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل وأن يقبل منها ما تبين . وقالوا :

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 74 ( 2 ) راجع ج 8 ص 361 . ( 3 ) راجع ج 9 ص 27 . ( 4 ) المباهلة الملاعنة . ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شئ فيقولوا لعنة الله على الظالم منا . راجع ج 4 ص 103 ، وص 108 ( 5 ) في ب : ظهر . ( 6 ) في ه‍ وب : سائغ .