القرطبي

280

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية - اختلف العلماء في [ معنى ( 1 ) ] هذه الآية على ستة أقوال : ( الأول ) قيل إنها منسوخة ، لان النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الاسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالاسلام ، قاله سليمان بن موسى ، قال : نسختها " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ( 2 ) " . وروى هذا عن ابن مسعود وكثير من المفسرين . ( الثاني ) ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة ، وأنهم لا يكرهون على الاسلام إذا أدوا الجزية ، والذين يكرهون أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا الاسلام فهم الذين نزل فيهم " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين " . هذا قول الشعبي وقتادة والحسن والضحاك . والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية : اسلمي أيتها العجوز تسلمي ، إن الله بعث محمدا بالحق . قالت : أنا عجوز كبيرة والموت إلى قريب ! فقال عمر : اللهم اشهد ، وتلا " لا إكراه في الدين " . ( الثالث ) ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال : نزلت هذه في الأنصار ، كانت تكون المرأة مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده ، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا : لا ندع أبناءنا ! فأنزل الله تعالى : " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى " . قال أبو داود : والمقلات التي لا يعيش لها ولد . في رواية : إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه ، وأما إذا جاء الله بالاسلام فنكرههم عليه فنزلت : " لا إكراه في الدين " من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الاسلام . وهذا قول سعيد ابن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال : كان سبب كونهم في بنى النضير الاسترضاع . قال النحاس : قول ابن عباس في هذه الآية أولى الأقوال لصحة إسناده ، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي . ( الرابع ) قال السدى : نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ابنان ، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت ، فلما أرادوا الخروج أتاهم أبنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام ، فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكيا أمرهما ، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما فنزلت : " لا إكراه في الدين "

--> ( 1 ) في ه‍ وج‍ وب . ( 2 ) راجع ج 8 ص 240