القرطبي
263
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ورفع بعضهم درجات ، قال الله تعالى : " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا ( 1 ) " وقال : " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض " . قلت : وهذا قول حسن ، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطى من الوسائل ، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال : إن الله فضل محمدا على الأنبياء وعلى أهل السماء ، فقالوا : بم يا بن عباس فضله على أهل السماء ؟ فقال : إن الله تعالى قال : " ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين ( 2 ) " . وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا . ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ( 3 ) " . قالوا : فما فضله على الأنبياء ؟ قال قال الله تعالى : " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ( 4 ) " وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم : " وما أرسلناك إلا كافة للناس ( 5 ) " فأرسله إلى الجن والإنس " ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده . وقال أبو هريرة : خير بني آدم نوج وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وهم أولو العزم من الرسل ، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين ، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل ، فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم ، وهذا مما لا خفاء فيه ، إلا أن ابن عطية أبا محمد عبد الحق قال : إن القرآن يقتضى التفضيل ، وذلك في الجملة دون تعيين أحد مفضول ، وكذلك هي الأحاديث ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا أكرم ولد آدم على ربى " وقال : " أنا سيد ولد آدم " ولم يعين ، وقال عليه السلام : " لا ينبغي لاحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " وقال : " لا تفضلوني على موسى " . وقال ابن عطية : وفى هذا نهى شديد عن تعيين المفضول ، لان يونس عليه السلام كان شابا وتفسخ ( 6 ) تحت أعباء النبوة . فإذا كان التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى .
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 278 . ( 2 ) راجع ج 11 ص 272 . ( 3 ) راجع ج 16 ص 260 ( 4 ) راجع ج 9 ص 340 . ( 5 ) راجع ج 14 ص 300 ( 6 ) يقال : تفسخ البعير تحت الحمل الثقيل إذا لم يطقه .