القرطبي

258

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله ، وحز رأسه وجعله في مخلاته ، واختلط الناس وحمله أصحاب طالوت فكانت الهزيمة . وقد قيل : إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه ، وقيل : عينه ( 1 ) وخرج من قفاه ، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم . وقيل : إن الحجر تفتت حتى أصاب كل من في العسكر شئ منه ، وكان كالقبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم هوازن يوم حنين ، والله أعلم . وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي ، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود . قلت : وفى قول طالوت : " من يبرز له ويقتله فإني أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي " معناه ثابت في شرعنا ، وهو أن يقول الامام : من جاء برأس فله كذا ، أو أسير فله كذا على ما يأتي بيانه في " الأنفال ( 2 ) " إن شاء الله تعالى . وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلا بإذن الامام ، كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما . واختلف فيه عن الأوزاعي فحكى عنه أنه قال : لا يحمل أحد إلا بإذن إمامه . وحكى عنه أنه قال : لا بأس به ، فإن نهى الامام عن البراز فلا يبارز أحد إلا بإذنه . وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الامام ولا بغير إذنه ، هذا قول مالك . سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين : من يبارز ؟ فقال : ذلك إلى نيته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس ، قد كان يفعل ذلك فيما مضى . وقال الشافعي : لا بأس بالمبارزة . قال ابن المنذر : المبارزة بإذن الامام حسن ، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج ، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا يمنع منه . ( وآتاه الله الملك والحكمة ) قال السدى : أتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون . والذي علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صلى الله عليه وسلم . وقال ابن عباس : هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة والفلك ورأسها عند صومعة داود ، فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فيعلم داود ما حدث ، ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ ، وكانت علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفهم على صدورهم ، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت .

--> ( 1 ) في ه‍ وز : عينيه ، وفى ا : " وفقأ عينه " . ( 2 ) راجع ج 7 ص 363