القرطبي
251
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عذر من صغر أو كبر أو مرض . والابتلاء الاختبار . والنهر والنهر لغتان . واشتقاقه من السعة ، ومنه النهار وقد تقدم ( 1 ) . قال قتادة : النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين . وقرأ الجمهور " بنهر " بفتح الهاء . وقرأ مجاهد وحميد الأعرج " بنهر " بإسكان الهاء . ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم ، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه مطيع فيما عدا ذلك ، ومن غلبته شهوته [ في الماء ( 2 ) ] وعصى الامر فهو في العصيان في الشدائد أحرى ، فروى أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن ، فلذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال . وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين همهم في غير الرفاهية ، كما قال عروة : * وأحسوا قراح الماء والماء بارد * قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : " حسب المرء لقيمات يقمن صلبه " . وقال بعض من يتعاطى غوامض المعاني : هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها ، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها ، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة ، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة . قلت : ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر ، لكن معناه صحيح من غير هذا . الثانية - استدل من قال أن طالوت كان نبيا بقوله : " إن الله مبتليكم " وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه ، وجعل الالهام ابتلاء من الله لهم . ومن قال لم يكن نبيا قال : أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوت قومه بهذا ، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب . وقد ذهب قوم إلى أن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم ، لكنه حمل مزاحه على تخشين الامر الذي كلفهم ، وسيأتي بيانه في " النساء ( 3 ) " إن شاء الله تعالى .
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 239 . ( 2 ) من ج وه وز . ( 3 ) راجع ج 5 ص 258