القرطبي

236

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال : هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان ( 1 ) ، فسمع حاديا يحدو خلفه : لن يسبق الله على حمار * ولا على ذي منعة طيار أو يأتي الحتف على مقدار * قد يصبح الله أمام الساري وذكر المدائني قال : وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها " سكر " ( 2 ) . فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك ابن مروان . فقال له عبد العزيز : ما أسمك ؟ فقال له : طالب بن مدرك . فقال : أو ه ( 3 ) ما أراني راجعا إلى الفسطاط ! فمات في تلك القرية . قوله تعالى : وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ( 244 ) هذا خطاب لامة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور . وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا . وسبل الله كثيرة فهي عامة في كله سبيل ، قال الله تعالى : " قل هذه سبيلي ( 4 ) " . قال مالك : سبل الله كثيرة ، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أولها ، وأعظمها دين الاسلام ، لا خلاف في هذا . وقيل : الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل ، روى عن ابن عباس والضحاك . والواو على هذا في قوله " وقاتلوا " عاطفة على الامر المتقدم ، وفى الكلام متروك تقديره : وقال لهم قاتلوا . وعلى القول الأول عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم ، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام . قال النحاس : " وقاتلوا " أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء . ( واعلموا أن الله سميع عليم ) أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به ، وقال الطبري : لا وجه لقول من قال : إن الامر بالقتال للذين أحيوا . والله أعلم .

--> ( 1 ) سفوان ( بالتحريك ) : ماء على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة ( معجم ياقوت ) . ( 2 ) سكر ( وزان زفر ) : موضع بشرقية الصعيد بينه وبين مصر يومان ، كان عبد العزيز بن مروان يخرج إليه كثيرا . ( عن ياقوت ) . وقد ورد في الأصول : " سكن " بالنون وهو تحريف . ( 3 ) أوه : كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع وهي ساكنة الواو مكسورة الهاء ، وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا : " أوه من كذا " ، وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا : " أوه " ، وبعضهم يفتح الواو مع التشديد فيقول : " أوه " . ( عن النهاية ) . ( 4 ) راجع ج 9 ص 274