القرطبي
19
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا ، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا . وقال عبد الله : كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه : اتق الله ، فيقول : عليك بنفسك ، مثلك يوصيني ( 1 ) ! والعزة : القوة والغلبة ، من عزه يعزه إذا غلبه . ومنه : " وعزني في الخطاب ( 2 ) " وقيل : العزة هنا الحمية ، ومنه قول الشاعر : أخذته عزة من جهله * فتولى مغضبا فعل الضجر وقيل : العزة هنا المنعة وشدة النفس ، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الاثم حين أخذته وألزمته إياه . وقال قتادة : المعنى إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على المعصية ، والمعنى حملته العزة على الاثم . وقيل : أخذته العزة بما يؤثمه ، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية . ونظيره : " بل الذين كفروا في عزة وشقاق ( 3 ) " وقيل : الباء في " بالاثم " بمعنى اللام ، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه ، وهو النفاق ، ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة : وكأن ربا أو كحيلا معقدا * حش الوقود به جوانب قمقم ( 4 ) أي حش الوقود له . وقيل : الباء بمعنى مع ، أي أخذته العزة مع الاثم ، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلات . وذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد ، فاختلف إلى بابه سنة ، فلم يقض حاجته ، فوقف يوما على الباب ، فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال : اتق الله يا أمير المؤمنين ! فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا ، فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت ، فلما رجع قيل له : يا أمير المؤمنين ، نزلت عن دابتك لقول يهودي ! قال : لا ، ولكن تذكرت قول الله تعالى : " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد " . حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء ، كما تقول للرجل : كفاك ما حل بك ! وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل . والمهاد جمع المهد ، وهو الموضع المهيأ للنوم ، ومنه مهد الصبي .
--> ( 1 ) في ح : " أنت تأمرني ! " . ( 2 ) آية 23 سورة ص . ( 3 ) آية 2 سورة ص . ( 4 ) الرب ( بضم الراء ) : الطلاء الخائر . والكحيل ( مصغرا ) : النفط أو القطران تطلى به الإبل . والمعقد ( بفتح القاف ) : الذي أوقد تحته حتى انعقد وغلظ . وحش : اتقد . والقمقم ( بالضم ) : ضرب من الأواني .