القرطبي

15

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

مهين . هماز مشاء بنميم ( 1 ) " و " ويل لكل همزة لمزة ( 2 ) " . قال ابن عطية : ما ثبت قط أن الأخنس أسلم . وقال ابن عباس : نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع : عاصم بن ثابت ، وخبيب ، وغيرهم ، وقالوا : ويح هؤلاء القوم ، لا هم قعدوا في بيوتهم ، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم ، فنزلت هذه الآية في صفات المنافقين ، ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ( 3 ) " . وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء : نزلت في كل مبطن كفرا أو نفاقا أو كذبا أو إضرارا ، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك ، فهي عامة ، وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب الله تعالى : إن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر ، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ، يشترون الدنيا بالدين ، يقول الله تعالى : أبى يغترون ، وعلى يجترئون ، فبي حلفت لأتيحن ( 4 ) لهم فتنة تدع الحليم منهم حيران . ومعنى " ويشهد الله " أي يقول : الله يعلم أنى أقول حقا . وقرأ ابن محيصن " ويشهد الله على ما في قلبه " بفتح الياء والهاء في " يشهد " " الله " بالرفع ، والمعنى يعجبك قوله ، والله يعلم منه خلاف ما قال . دليل قوله : " والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " . وقراءة ابن عباس : " والله يشهد على ما في قلبه " . وقراءة الجماعة أبلغ في الذم ، لأنه قوى على نفسه التزام الكلام الحسن ، ثم ظهر من باطنه خلافه . وقرأ أبى وابن مسعود " ويستشهد الله على ما في قلبه " وهي حجة لقراءة الجماعة . الثانية - قال علماؤنا : وفى هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا ، واستبراء أحوال الشهود والقضاة ، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم ، لان الله تعالى بين أحوال الناس ، وأن منهم من يظهر قولا جميلا وهو ينوى قبيحا . فإن قيل : هذا يعارضه قوله عليه السلام : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " الحديث ، وقوله : " فأقضى له على نحو ما أسمع " فالجواب أن هذا كان في صدر الاسلام ، حيث كان إسلامهم سلامتهم ، وأما وقد عم الفساد فلا ، قاله ابن العربي .

--> ( 1 ) آية 10 ، 11 سورة ن . ( 2 ) آية 1 سورة الهمزة . . ( 3 ) آية 208 سورة البقرة . ( 4 ) في من ، ح : " لأسلطن عليهم " . ( 5 ) آية 1 سورة المنافقون .