القرطبي

142

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

مالك وابن القاسم عموم قوله تعالى : " فلا جناح عليهما فيما افتدت به " . ومن جهة القياس أنه مما يملك بالهبة والوصية ، فجاز أن يكون عوضا في الخلع كالمعلوم ، وأيضا فإن الخلع طلاق ، والطلاق يصح بغير عوض أصلا ، فإذا صح على غير شئ فلان يصح بفاسد العوض أولى ، لان أسوأ حال المبذول أن يكون كالمسكوت عنه . ولما كان النكاح الذي هو عقد تحليل لا يفسده فاسد العوض فلان لا يفسد الطلاق الذي هو إتلاف وحل عقد أولى . الثامنة - ولو اختلعت منه برضاع ابنها منه حولين جاز . وفى الخلع بنفقتها على الابن بعد الحولين مدة معلومة قولان : أحدهما - يجوز ، وهو قول المخزومي ، واختاره سحنون . والثاني - لا يجوز ، رواه ابن القاسم عن مالك ، وإن شرطه الزوج فهو باطل موضوع عن الزوجة . قال أبو عمر : من أجاز الخلع على الجمل الشارد والعبد الآبق ونحو ذلك من الغرر لزمه أن يجوز هذا . وقال غيره من القرويين : لم يمنع مالك الخلع بنفقة ما زاد على الحولين لأجل الغرر ، وإنما منعه لأنه حق يختص بالأب على كل حال فليس له أن ينقله إلى غيره ، والفرق بين هذا وبين نفقة الحولين أن تلك النفقة وهي الرضاع قد تجب على الام حال الزوجية وبعد الطلاق إذا أعسر الأب ، فجاز أن تنقل هذه النفقة إلى الام ، لأنها محل لها . وقد احتج مالك في " المبسوط " على هذا بقوله تعالى : " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " . التاسعة - فإن وقع الخلع على الوجه المباح بنفقة الابن فمات الصبي قبل انقضاء المدة فهل للزوج الرجوع عليها ببقية النفقة ، فروى ابن المواز عن مالك : لا يتبعها بشئ ، وروى عنه أبو الفرج : يتبعها ، لأنه حق ثبت له في ذمة الزوجة بالخلع فلا يسقط بموت الصبي ، كما لو خالعها بمال متعلق بذمتها ، ووجه الأول أنه لم يشترط لنفسه مالا يتموله ، وإنما اشترط كفاية مئونة ولده ، فإذا مات الولد لم يكن له الرجوع عليها بشئ ، كما لو تطوع رجل بالانفاق على صبي سنة فمات الصبي لم يرجع عليه بشئ ، لأنه إنما قصد بتطوعه تحمل مئونته ، والله أعلم ، قال مالك : لم أر أحدا يتبع بمثل هذا ، ولو اتبعه لكان له في ذلك قول .