القرطبي

103

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال عبد الله بن عباس : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة ، فوقت لهم أربعة أشهر ، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي . قلت : وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلق ، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده ، كذا في صحيح مسلم . وقيل : لان زينب ردت عليه هديته ، فغضب صلى الله عليه وسلم فآلى منهن ، ذكره ابن ماجة . الثانية - ويلزم الايلاء كل من يلزمه الطلاق ، فالحر والعبد والسكران يلزمه الايلاء . وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون ، وكذلك الخصي إذا لم يكن مجبوبا ، والشيخ إذا كان فيه بقية رمق ونشاط . واختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى ، ففي ، قول : لا إيلاء له . وفى قول : يصح إيلاؤه ، والأول أصح وأقرب إلى الكتاب والسنة ، فإن الفئ هو الذي يسقط اليمين ، والفئ بالقول لا يسقطها ، فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقي حكم الايلاء . وإيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة لازم له ، وكذلك الأعجمي إذا آلى من نسائه . الثالثة - واختلف العلماء فيما يقع به الايلاء من اليمين ، فقال قوم : لا يقع الايلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام : " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " . وبه قال الشافعي في الجديد . وقال ابن عباس : كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء ، وبه قال الشعبي والنخعي ومالك وأهل الحجاز وسفيان الثوري وأهل العراق ، والشافعي في القول الآخر ، وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر والقاضي أبو بكر بن العربي . قال ابن عبد البر : وكل يمين لا يقدر صاحبها على جماع امرأته من أجلها إلا بأن يحنث فهو بها مول ، إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر ، فكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال : أقسم بالله ، أو أشهد بالله ، أو على عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته فإنه يلزمه الايلاء . فإن قال : أقسم أو أعزم ولم يذكر ب‍ " الله " فقيل : لا يدخل عليه الايلاء ، إلا أن يكون أراد ب‍ " الله " ونواه .