القرطبي
77
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في شئ . وقيل : هو على التقديم والتأخير بغير حذف ، والمعنى : قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ، والشمس وضحاها . " أفلح " فاز . " من زكاها " أي من زكى الله نفسه بالطاعة . ( وقد خاب من دساها ) أي خسرت نفس دسها الله عز وجل بالمعصية . وقال ابن عباس : خابت نفس أضلها وأغواها . وقيل : أفلح من زكى نفسه بطاعة الله ، وصالح الأعمال ، وخاب من دس نفسه في المعاصي ، قال قتادة وغيره . وأصل الزكاة : النمو والزيادة ، ومنه زكا الزرع : إذا كثر ريعه ، ومنه تزكية القاضي للشاهد ، لأنه يرفعه بالتعديل ، وذكر الجميل . وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة " البقرة " ( 1 ) مستوفى . فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمال البر ، شهر نفسه ورفعها . وكانت أجواد العرب تنزل الربا وارتفاع الأرض ، ليشتهر مكانها للمعتفين ( 2 ) ، وتوقد النار في الليل للطارقين . وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والاهضام ( 3 ) ، ليخفى مكانها عن الطالبين . فأولئك علوا أنفسهم وزكوها ، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها . وكذا الفاجر أبدا خفي المكان ، زمر ( 4 ) المروءة غامض الشخص ، ناكس الرأس بركوب المعاصي . وقيل : دساها : أغواها . قال : وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت * حلائله منه أرامل ضيعا ( 5 ) قال أهل اللغة : والأصل : دسسها ، من التدسيس ، وهو إخفاء الشئ في الشئ ، فأبدلت سينه ياء ، كما يقال : قصيت أظفاري ، وأصله قصصت أظفاري . ومثله قولهم في تقضض : تقضي . وقال ابن الأعرابي : " وقد خاب من دساها " أي دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم . قوله تعالى : كذبت ثمود بطغواها ( 11 ) إذ انبعث أشقاها ( 12 ) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقيها ( 13 ) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ( 14 )
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 343 طبعة ثانية أو ثالثة . ( 2 ) المعتفى : كل طالب فضل أو رزق . ( 3 ) الأولاج : ما كان من كهف أو غار يلجأ إليه . والاهضام : أسافل الأودية . ( 4 ) الزمر : القليل . ( 5 ) الذي في اللسان ( مادة دسا ) : وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت * نساؤهم فيهم أرامل ضسيع وقال : دسيت : أغويت وأفسدت . وعمرو : قبيلة .