القرطبي

47

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

مائة سنة لا يرون فيها جنازة . وذكر عن ثور بن زيد ( 1 ) أنه قال : أنا شداد بن عاد ، وأنا رفعت العماد ، وأنا الذي شددت بذراعي بطن الواد ، وأنا الذي كنزت كنزا على سبعة أذرع ، لا يخرجه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وروي أنه كان لعاد ابنان : شداد وشديد ، فملكا وقهرا ، ثم مات شديد ، وخلص الامر لشداد فملك الدنيا ، ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة ، فقال : أبني مثلها . فبنى إرم في بعض صحاري عدن ، في ثلاثمائة سنة ، وكان عمره تسعمائة سنة . وهي مدينة عظيمة ، قصورها من الذهب والفضة ، وأساطينها ( 2 ) من الزبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة ( 3 ) . ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة ، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا . وعن عبد الله بن قلابة : أنه خرج في طلب إبل له ، فوقع عليها ، فحمل ما قدر عليه مما ثم ، وبلغ خبره معاوية فاستحضره ، فقص عليه ، فبعث إلى كعب ( 4 ) فسأله ، فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك ، أحمر أشقر قصير ، على حاجبه خال ، وعلى عقبه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة ، وقال : هذا والله ذلك الرجل . وقيل : أي لم يخلق مثل أبنية عاد المعروفة بالعمد . فالكناية للعماد . والعماد على هذا : جمع عمد . وقيل : الأرم : الهلاك ، يقال : أرم بنو فلان : أي هلكوا ( 5 ) ، وقاله ابن عباس . وقرأ الضحاك : " أرم ( 6 ) ذات العماد " ، أي أهلكهم ، فجعلهم رميما ( 7 ) . قوله تعالى : وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ( 9 ) ثمود : هم قوم صالح . و " جابوا " : قطعوا . ومنه : فلان يجوب البلاد ، أي يقطعها . وإنما سمي جيب القميص لأنه جيب ، أي قطع . قال الشاعر وكان قد نزل على ابن الزبير بمكة ، فكتب له بستين وسقا يأخذها بالكوفة . فقال :

--> ( 1 ) في الأصول : " يزيد " وهو تحريف . ( 2 ) الأساطين : جمع الأسطوانة ، وهي العمود والسارية . ( 3 ) أي الجارية . ( 4 ) يريد : كعبا الحبر : عالم أهل الكتاب . ( 5 ) حكاه الطبري . ( 6 ) كذا بفتح الهمزة والراء . حكاه الشوكاني في فتح القدير ( 5 / 432 ) . ( 7 ) قوله ( جعلهم رميما ) بيان للمعنى ، وليس تفسيرا للاشتقاق .