القرطبي
206
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : " رحلة الشتاء والصيف " " رحلة " نصب بالمصدر ، أي ارتحالهم رحلة ، أو بوقوع " إيلافهم " عليه ، أو على الظرف . ولو جعلتها في محل الرفع ، على معنى هما رحلة الشتاء والصيف ، لجاز . والأول أولى . والرحلة الارتحال . وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء ، لأنها بلاد حامية ، والرحلة الأخرى في الصيف إلى الشام ، لأنها بلاد باردة . وعن ابن عباس أيضا قال : كانوا يشتون بمكة لدفئها ، ويصيفون بالطائف لهوائها . وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء ، وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف ، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة . وقال الشاعر : تشتي بمكة نعمة * ومصيفها بالطائف وهنا أربع مسائل : الأولى - اختار القاضي أبو بكر بن العربي وغيره من العلماء : أن قوله تعالى : " لإيلاف " متعلق بما قبله . ولا يجوز أن يكون متعلقا بما بعده ، وهو قوله تعالى : " فليعبدوا رب هذا البيت " قال : وإذا ثبت أنه متعلق بالسورة الأخرى - وقد قطع عنه بكلام مبتدأ ، واستئناف بيان وسطر " بسم الله الرحمن الرحيم " ، فقد تبين جواز الوقف في القراءة ( 1 ) للقراء قبل تمام الكلام ، وليست المواقف التي ينتزع ( 2 ) بها القراء شرعا عن النبي صلى الله عليه وسلم مرويا ، وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني ، فإذا علموها وقفوا حيث شاءوا . فأما الوقف عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه ، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك ، ولكن ابدأ من حيث وقف بك نفسك . هذا رأيي فيه ، ولا دليل على ما قالوه ، بحال ، ولكني أعتمد الوقف على التمام ، كراهية الخروج عنهم . قلت : ومن الدليل على صحة هذا ، قراءة النبي صلى الله عليه وسلم " الحمد لله رب العالمين " ثم يقف . " الرحمن الرحيم " ثم يقف . وقد مضى في مقدمة الكتاب ( 3 ) . وأجمع المسلمون أن
--> ( 1 ) في ابن العربي : ( في القرآن ) . ( 2 ) في ابن العربي : ( تنزع ) . ( 3 ) راجع ج 1 ص 10 فيما بعد .