القرطبي
193
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فاستشاط غضبا . فأتاه أبرهة بن الصباح وحجر بن شرحبيل وأبو يكسوم الكنديون ، وضمنوا له إحراق الكعبة وسبي مكة . وكان النجاشي هو الملك ، وأبرهة صاحب الجيش ، وأبو يكسوم نديم الملك ، وقيل وزير ، وحجر بن شرحبيل من قواده ، وقال مجاهد : أبو يكسوم هو أبرهة ابن الصباح . فساروا ومعهم الفيل . قال الأكثرون : هو فيل واحد . وقال الضحاك : هي ثمانية فيلة . ونزلوا بذي المجاز ، واستاقوا سرح مكة ، وفيها إبل عبد المطلب . وأتى الراعي نذيرا ، فصعد الصفا ، فصاح : وا صباحاه ! ثم أخبر الناس بمجئ الجيش والفيل . فخرج عبد المطلب ، وتوجه إلى أبرهة ، وسأله في إبله . واختلف في النجاشي ، هل كان معهم ، فقال قوم كان معهم . وقال الأكثرون : لم يكن معهم . ونظر أهل مكة بالطير قد أقبلت من ناحية البحر ، فقال عبد المطلب : إن هذه الطير غريبة بأرضنا ، وما هي بنجدية ولا تهامية ولا حجازية " وإنها أشباه اليعاسيب ( 1 ) . وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة ، فلما أطلت ( 2 ) على القوم ألقتها عليهم ، حتى هلكوا . قال عطاء بن أبي رباح : جاءت الطير عشية ، فباتت ثم صبحتهم بالغداة فرمتهم . وقال الكلبي : في مناقيرها حصى كحصى الخذف ( 3 ) ، أمام كل فرقة طائر يقودها ، أحمر المنقار ، أسود الرأس ، طويل العنق . فلما جاءت عسكر القوم وتوافت ، أهالت ما في مناقيرها على من تحتها ، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه المقتول به . وقيل : كان كل حجر مكتوب : من أطاع الله نجا ، ومن عصاه غوى . ثم انصاعت ( 4 ) راجعة من حيث جاءت . وقال العوفي : سألت عنها أبا سعيد الخدري ، فقال : حمام مكة منها . وقيل : كان يقع الحجر على بيضة ( 5 ) أحدهم فيخرقها ، ويقع في دماغه ، ويخرق الفيل والدابة . ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه . وكان أصحاب الفيل ستين ألفا ، لم يرجع منهم أحد إلا أميرهم ، رجع ومعه شرذمة لطيفة . فلما أخبروا بما رأوا هلكوا . وقال الواقدي : أبرهة جد النجاشي الذي كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبرهة هو الأشرم ، سمي بذلك لأنه تفاتن ( 6 ) مع أرياط ، حتى تزاحفا ،
--> ( 1 ) اليعسوب : أمير النحل . ( 2 ) في نسخة : ( أقبلت ) . ( 3 ) الخذف : الرمي بالحصى الصغار بأطراف الأصابع . ( 4 ) انصاع الرجل : انفتل راجعا ومر مسرعا . ( 5 ) هي بيضة الحديد . ( 6 ) المفاتنة : اختلاف الناس في الآراء وما يقع بينهم من القتال .