القرطبي
125
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( كلا لئن لم ينته ) أي أبو جهل عن أذاك يا محمد . " لنسفعا " أي لنأخذن " بالناصية " فلنذلنه . وقيل : لنأخذن بناصيته يوم القيامة وتطوى مع قدميه ، ويطرح في النار ، كما قال تعالى : " فيؤخذ بالنواصي والاقدام " ( 1 ) [ الرحمن : 41 ] . فالآية - وإن كانت في أبي جهل - فهي عظة للناس ، وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة . وأهل اللغة يقولون : سفعت بالشئ : إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا . ويقال : سفع بناصية فرسه . قال : قوم إذا كثر الصياح رأيتهم * من بين ملجم مهره أو سافع ( 2 ) وقيل : هو مأخوذ من سفعته النار والشمس : إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد ، كما قال : أثافي سفعا في معرس مرجل * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع ( 3 ) والناصية : شعر مقدم الرأس . وقد يعبر بها عن جملة الانسان ، كما يقال : هذه ناصية مباركة ، إشارة إلى جميع الانسان . وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته . وقال المبرد : السفع : الجذب بشدة ، أي لنجرن بناصيته إلى النار . وقيل : السفع الضرب ، أي لنلطمن وجهه . وكله متقارب المعنى . أي يجمع عليه الضرب عند الاخذ ، ثم يجر إلى جهنم . ثم قال على البدل : " ناصية كاذبة خاطئة "
--> ( 1 ) آية 41 سورة الرحمن . ( 2 ) البيت لحميد بن ثور الهلالي الصحابي ويروى : ( ما بين ملجم . . . ) ( 3 ) هكذا ورد البيت في جميع نسخ الأصل وتفسير ابن عادل وهو ملفق من قصيدتين . فالشطر الأول من معلقة زهير . والبيت كما في ديوانه ومعلقته : أثافي سفعا في معرس مرجل * ونؤيا كجذام الحوض لم يتثلم والشطر الثاني من قصيدة للنابغة : والبيت كما في ديوانه : رماد ككحل العين لأيا أبينه * ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع والأثلم : المتثلم . الخاشع : اللاصق بالأرض . والأثافي : الحجارة التي تجعل عليها القدر الواحدة أثفية . والسفع : السود . والمعرس : الموضع الذي فيه المرجل . والمرجل : كل قدر يطبخ فيها من حجارة أو حديد أو خزف أو نحاس . والنؤى : حاجز يرفع حول البيت من تراب لئلا يدخل البيت الماء من خارج . وجذم الحوض : حرفه وأصله . ولم يتثلم : يعني النؤى قد ذهب أعلاه ولم يتثلم ما بقي منه أي يتكسر .