القرطبي

97

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

مبتليا معلوم ، وكون الضمير المفعول في العربية متصلا بالفاعل موجب تقديم المفعول ، فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام ، فاعلمه . وقراءة العامة " إبراهيم " بالنصب ، " ربه " بالرفع على ما ذكرنا . وروي عن جابر بن زيد أنه قرأ على العكس ، وزعم أن ابن عباس أقرأه كذلك . والمعنى دعا إبراهيم ربه وسأل ، وفيه بعد ، لأجل الباء في قوله : " بكلمات " . الثانية - قوله تعالى : " بكلمات " الكلمات جمع كلمة ، ويرجع تحقيقها إلى كلام الباري تعالى ، لكنه عبر عنها عن الوظائف التي كلفها إبراهيم عليه السلام ، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به ، كما سمي عيسى كلمة ، لأنه صدر عن كلمة وهي " كن " . وتسمية الشئ بمقدمته أحد قسمي المجاز ، قاله ابن العربي . الثالثة - واختلف العلماء في المراد بالكلمات على أقوال : أحدها - شرائع الاسلام ، وهي ثلاثون سهما ، عشرة منها في سورة براءة : " التائبون العابدون ( 1 ) " إلى آخرها ، وعشرة في الأحزاب : " إن المسلمين والمسلمات ( 2 ) " إلى آخرها ، وعشرة في المؤمنون : " قد أفلح المؤمنون ( 3 ) " إلى قوله : " على صلواتهم يحافظون " وقوله في " سأل سائل ( 4 ) " : " إلا المصلين " إلى قوله : " والذين هم على صلاتهم يحافظون " . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما ابتلى الله أحدا بهن فقام بها كلها إلا إبراهيم عليه السلام ، ابتلي بالاسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال : " وإبراهيم الذي وفى ( 5 ) " . وقال بعضهم : بالأمر والنهي ، وقال بعضهم : بذبح ابنه ، وقال بعضهم : بأداء الرسالة ، والمعنى متقارب . وقال مجاهد : هي قوله تعالى : إني مبتليك بأمر ، قال : تجعلني للناس إماما ؟ قال نعم . قال : ومن ذريتي ؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين ، قال : تجعل البيت مثابة للناس ؟ قال نعم . قال : وأمنا ؟ قال نعم . قال : وترينا مناسكنا وتتوب علينا ؟ قال نعم . قال : وترزق أهله من الثمرات ؟ قال نعم . وعلى هذا القول فالله تعالى هو الذي أتم . وأصح من هذا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 269 . ( 2 ) راجع ج 14 ص 185 . ( 3 ) راجع ج 12 ص 102 ( 4 ) راجع ج 18 ص 291 . ( 5 ) راجع ج 17 ص 113 .