القرطبي
86
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الخامسة - قوله تعالى : " كل له قانتون " ابتداء وخبر ، والتقدير كلهم ، ثم حذف الهاء والميم . " قانتون " أي مطيعون وخاضعون ، فالمخلوقات كلها تقنت لله ، أي تخضع وتطبع . والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم . فالقنوت الطاعة ، والقنوت السكوت ، ومنه قول زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم الرجل صاحبه إلى جنبه حتى نزلت : " وقوموا لله قانتين " فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام . والقنوت : الصلاة ، قال الشاعر : قانتا لله يتلو كتبه * وعلى عمد من الناس اعتزل وقال السدي وغيره في قوله : " كل له قانتون " أي يوم القيامة . الحسن : كل قائم بالشهادة أنه عبده . والقنوت في اللغة أصله القيام ، ومنه الحديث : ( أفضل الصلاة طول القنوت ) قاله الزجاج . فالخلق قانتون ، أي قائمون بالعبودية إما إقرارا وإما أن يكونوا على خلاف ذلك ، فأثر الصنعة بين عليهم . وقيل : أصله الطاعة ، ومنه قوله تعالى : " والقانتين والقانتات " . وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى : " وقوموا لله قانتين ( 1 ) " . قوله تعالى : بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ( 117 ) . فيه ست مسائل : الأولى - قوله تعالى : " بديع السماوات " فعيل للمبالغة ، وارتفع على خبر ابتداء محذوف ، واسم الفاعل مبدع ، كبصير من مبصر . أبدعت الشئ لا عن مثال ، فالله عز وجل بديع السماوات والأرض ، أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال . وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع ، ومنه أصحاب البدع . وسميت البدعة بدعة لان قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام ، وفي البخاري ( ونعمت البدعة هذه ) يعني قيام رمضان .
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 213 .