القرطبي

68

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

نسأت هذا الامر إذا أخرته ، ومن ذلك قولهم : بعته نسأ إذا أخرته . قال ابن فارس : ويقولون : نسأ الله في أجلك ، وأنسأ الله أجلك . وقد انتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا ، ونسأتهم أنا أخرتهم . فالمعنى نؤخر نزولها أو نسخها على ما ذكرنا . وقيل : نذهبها عنكم حتى لا تقرأ ولا تذكر . وقرأ الباقون " ننسها " بضم النون ، من النسيان الذي بمعنى الترك ، أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها ، قاله ابن عباس والسدي ، ومنه قوله تعالى : " نسوا الله فنسيهم ( 1 ) " أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب . واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم ، قال أبو عبيد : سمعت أبا نعيم القارئ يقول : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بقراءة أبي عمرو فلم يغير علي إلا حرفين ، قال : قرأت عليه " أرنا ( 2 ) " فقال : أرنا ، فقال أبو عبيد : وأحسب الحرف الاخر " أو ننسأها " فقال : " أو ننسها " . وحكى الأزهري " ننسها " نأمر بتركها ، يقال : أنسيته الشئ أي أمرت بتركه ، ونسيته تركته ، قال الشاعر : إن علي عقبة أقضيها * لست بناسيها ومنسيها ( 3 ) أي ولا آمر بتركها . وقال الزجاج : إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك ، لا يقال : أنسى بمعنى ترك ، وما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " أو ننسها " قال : نتركها لا نبدلها ، فلا يصح . ولعل ابن عباس قال : نتركها ، فلم يضبط . والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى " أو ننسها " نبح لكم تركها ، من نسي إذا ترك ، ثم تعديه . وقال أبو علي وغيره : ذلك متجه ، لأنه بمعنى نجعلك تتركها . وقيل : من النسيان على بابه الذي هو عدم الذكر ، على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها ، نقل بالهمز فتعدى الفعل إلى مفعولين : وهما النبي والهاء ، لكن اسم النبي محذوف . الخامسة عشرة - قوله تعالى : " نأت بخير منها " لفظة " بخير " هنا صفة تفضيل ، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف ، وفي آجل إن كانت أثقل ، وبمثلها

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 199 . ( 2 ) سيأتي الكلام عليها في ص 127 من هذا الجزء . ( 3 ) العقبة ( بضم فسكون ) من معانيها : الإبل يرعاها الرجل ويسقها ، أي أنا أسوق عقبى وأحسن رعيها .