القرطبي

66

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والأول أصح ، بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء . وأيضا فإن الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم ، ولا مسقط لذلك إلا السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا بين . والحذاق أيضا على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة ، فإن الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى . وفي قوله تعالى : " فلا ترجعوهن إلى الكفار ( 1 ) " فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش . والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا ، واختلقوا هل وقع شرعا ، فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء ، على ما يأتي بيانه ( 2 ) ، وأبى ذلك قوم . ولا يصح نسخ نص بقياس ، إذ من شروط القياس ألا يخالف نصا . وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ ، ولهذا كان الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي ، فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصا فيعلم أن الاجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن ، وأن ذلك النص المخالف متروك العمل به ، وأن مقتضاه نسخ وبقي سنة يقرأ ويروى ، كما آية عدة السنة ( 3 ) في القرآن تتلى ، فتأمل هذا فإنه نفيس ، ويكون من باب نسخ الحكم دون التلاوة ، ومثله صدقة النجوى . وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم . وقد تنسخ التلاوة والحكم معا ، ومنه قول الصديق رضي الله عنه : كنا نقرأ " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر " ومثله كثير . والذي عليه الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول ، كما يأتي بيانه في تحويل القبلة . والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله ، وهو موجود في قصة الذبيح ، وفي فرض خمسين صلاة قبل فعلها بخمس ، على ما يأتي بيانه في " الاسراء ( 4 ) " و " الصافات ( 5 ) " ، إن شاء الله تعالى . الثانية عشرة - لمعرفة الناسخ طرق ، منها - أن يكون في اللفظ ما يدل عليه ، كقوله عليه السلام : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف

--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 63 . ( 2 ) ج 8 ص 259 . ( 3 ) يريد قوله تعالى : " متاعا إلى الحول . . . " فإنه قد نسخ حكمها وبقيت تلاوتها . راجع ج 3 ص 226 . ( 4 ) ج 10 ص 210 . ( 5 ) ج 15 ص 107 .