القرطبي
50
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي ، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به ، فإنه يذهب عنه كل ما به ، إن شاء الله تعالى ، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله . الرابعة عشرة - أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن ، ودل إنكارهم على قلة مبالاتهم وركاكة دياناتهم ، وليس في إثباتهم مستحيل عقلي ، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم ، وحق على اللبيب المعتصم بحبل الله أن يثبت ما قضى العقل بجوازه ، ونص الشرع على ثبوته ، قال الله تعالى : " ولكن الشياطين كفروا " وقال : " ومن الشياطين من يغوصون ( 1 ) له " إلى غير ذلك ، من الآي ، وسورة " الجن " تقضي بذلك ، وقال عليه السلام : ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) . وقد أنكر هذا الخبر كثير من الناس ، وأحالوا روحين في جسد ، والعقل لا يحيل سلوكهم في الانس إذا كانت أجسامهم رقيقة بسيطة على ما يقوله بعض الناس بل أكثرهم ، ولو كانوا كثافا لصح ذلك أيضا منهم ، كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم ، وكذلك الديدان قد تكون في بني آدم وهي أحياء . الخامسة عشرة - قوله تعالى : " وما أنزل على الملكين " " ما " نفي ، والواو للعطف على قوله : " وما كفر سليمان " وذلك أن اليهود قالوا : إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر ، فنفى الله ذلك . وفي الكلام تقديم وتأخير ، التقدير وما كفر سليمان ، وما أنزل على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت ، فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله : " ولكن الشياطين كفروا " . هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل ، وأصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه ، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ، ودقة أفهامهم ، وأكثر ما يتعاطاه من الانس النساء وخاصة في حال طمثهن ، قال الله تعالى : " ومن شر النفاثات في العقد ( 2 ) " . وقال الشاعر : أعوذ بربي من النافثات * . . . السادسة عشرة - إن قال قائل : كيف يكون اثنان بدلا من جمع والبدل إنما يكون على حد المبدل منه ، فالجواب من وجوه ثلاثة ، الأول : أن الاثنين قد يطلق عليهما اسم
--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 322 ( 2 ) راجع ج 20 ص 257 .