القرطبي

47

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

خيط مستدق ، والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك . ومع ذلك فلا يكون السحر موجبا لذلك ، ولا علة لوقوعه ولا سببا مولدا ، ولا يكون الساحر مستقلا به ، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر ، كما يخلق الشيع عند الاكل ، والري عند شرب الماء . روى سفيان عن عمار الذهبي أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل ، ويدخل في است الحمار ويخرج من فيه ، فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب - هذا هو جندب بن كعب الأزدي ويقال البجلي - وهو الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم : ( يكون في أمتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحق والباطل ) . فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر . قال علي بن المديني : روى عنه حارثة بن مضرب . التاسعة - أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء ، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام . فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر . قال القاضي أبو بكر بن الطيب : وإنما منعنا ذلك بالاجماع ولولاه لأجزناه . العاشرة - في الفرق بين السحر والمعجزة ، قال علماؤنا : السحر يوجد من الساحر وغيره ، وقد يكون جماعة يعرفونه ويمكنهم الاتيان به في وقت واحد . والمعجزة لا يمكن الله أحدا أن يأتي بمثلها وبمعارضتها ، ثم الساحر لم يدع النبوة فالذي يصدر منه متميز عن المعجزة ، فإن المعجزة شرطها اقتران دعوى النبوة والتحدي بها ، كما تقدم في مقدمة الكتاب ( 1 ) . الحادية عشرة - واختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذمي ، فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته ، لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني ، ولأن الله تعالى سمى السحر كفرا بقوله : " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر " وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي

--> ( 1 ) يراجع ج 1 ص 69 وما بعدها طبعة ثانية .