القرطبي
379
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الأولى - قوله تعالى : " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محلة " الخطاب لجميع الأمة : محصر ومخلى . ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة ، أي لا تتحللوا من الاحرام حتى ينحر الهدى . والمحل : الموضع الذي يحل فيه ذبحه . فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي : موضع الحصر ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ، قال الله تعالى : " والهدى معكوفا أن يبلغ محله " ( 1 ) [ الفتح : 25 ] قيل : محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق . وعند أبي حنيفة محل الهدى في الاحصار : الحرم ، لقوله تعالى : " ثم محلها إلى البيت العتيق " ( 2 ) [ الحج : 33 ] . وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الامن الذي يجد الوصول إلى البيت . فأما المحصر فخارج من قول الله تعالى : " ثم محلها إلى البيت العتيق " بدليل نحر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم بالحديبية وليست من الحرم . واحتجوا من السنة بحديث ناجية ابن جندب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ابعث معي الهدى فأنحره بالحرم . قال : ( فكيف تصنع به ) قال : أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه ، فأنطلق به حتى أنحره في الحرم . وأجيب بأن هذا لا يصح ، وإنما ينحر حيث حل ، اقتداء بفعله عليه السلام بالحديبية ، وهو الصحيح الذي رواه الأئمة ، ولأن الهدى تابع للمهدي ، والمهدي حل بموضعه ، فالمهدى أيضا يحل معه . الثانية - واختلف العلماء على ما قررناه في المحصر هل له أن يحلق أو يحل بشئ من الحل قبل أن ينحر ما استيسر من الهدى ، فقال مالك : السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا يجوز لاحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه ، قال الله تعالى : " ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله " . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم ، ويعود حراما كما كان حتى ينحر هديه . وإن أصاب صيدا قبل أن ينحر الهدى فعليه الجزاء . وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحل أبدا حتى ينحر أو ينحر عنه . قالوا : وأقل ما يهديه شاة ، لا عمياء ولا مقطوعة الاذنين ، وليس هذا عندهم موضع صيام . قال أبو عمر : قول الكوفيين فيه ضعف وتناقض ، لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا مرض أن يحل
--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 283 . ( 2 ) راجع ج 12 ص 57 ؟ .