القرطبي

373

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في حكمه ، لا بدلالة الظاهر . وقال ابن عمر وابن الزبير وابن عباس والشافعي وأهل المدينة : المراد بالآية حصر العدو ، لان الآية نزلت في سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة . قال ابن عمر : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه . ودل على هذا قوله تعالى : " فإذا أمنتم " . ولم يقل : برأتم ، والله أعلم . الثالثة - جمهور الناس على أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه . وقال قتادة وإبراهيم : يبعث بهديه إن أمكنه ، فإذا بلغ محله ( 1 ) صار حلالا . وقال أبو حنيفة : دم الاحصار لا يتوقف على يوم النحر ، بل يجوز ذبحه قبل يوم النحر إذا بلغ محله ، وخالفه صاحباه فقالا : يتوقف على يوم النحر ، وإن نحر قبله لم يجزه . وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان . الرابعة - الأكثر من العلماء على أن من أحصر بعدو كافر أو مسلم أو سلطان حبسه في سجن أن عليه الهدى ، وهو قول الشافعي ، وبه قال أشهب . وكان ابن القاسم يقول : ليس على من صد عن البيت في حج أو عمرة هدى إلا أن يكون ساقه معه ، وهو قول مالك . ومن حجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نحر يوم الحديبية هديا قد كان أشعره وقلده ( 2 ) حين أحرم بعمرة ، فلما لم يبلغ ذلك الهدى محله للصد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحر ، لأنه كان هديا وجب بالتقليد والاشعار ، وخرج لله فلم يجز الرجوع فيه ، ولم ينحره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل الصد ، فلذلك لا يجب على من صد عن البيت هدى . واحتج الجمهور بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل يوم الحديبية ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدى ، فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدى إن كان عنده ، وإن كان فقيرا فمتى وجده وقدر عليه لا يحل إلا به ، وهو مقتضى قوله : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى " .

--> ( 1 ) محله : أي الموضع والوقت الذي يحل فيهما نحره ، وهو يوم النحر بمنى . ( 2 ) إشعار الهدى : هو أن يشق أحد جنبي السنام حتى يسيل الدم ، ويجعل ذلك علامة له يعرف بها أنه هدى . وتقليده : أن يجعل في عنقه شعار يعلم به أنه هدى .