القرطبي
363
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ونظيره : " ألم يعلم بأن الله يرى " ( 1 ) [ العلق : 14 ] . وقال المبرد : " بأيديكم " أي بأنفسكم ، فعبر بالبعض عن الكل ، كقوله : " فبما كسبت أيديكم " ( 2 ) ، [ الشورى : 30 ] ، " بما قدمت يداك " ( 3 ) [ الحج : 10 ] . وقيل : هذا ضرب مثل ، تقول : فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم ، لان المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه ، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان ، ومنه قول عبد المطلب : [ والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لعجز ) ( 4 ) وقال قوم : التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم ، كما تقول : لا تفسد حالك برأيك . والتهلكة ( بضم اللام ) مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة ، أي لا تأخذوا فيما يهلككم ، قاله الزجاج وغيره . أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم . وقيل : إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم فيرثها منكم غيركم ، فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم . ومعنى آخر : ولا تمسكوا فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة . ويقال : " لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " يعني لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم فتهلكوا . ونحوه عن عكرمة قال : " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال : " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " [ البقرة : 267 ] . وقال الطبري : قوله " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " عام في جميع ما ذكر لدخوله فيه ، إذ اللفظ يحتمله . الثانية - اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده ، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا : لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة ، وكان لله بنية خالصة ، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة . وقيل : إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل ، لان مقصوده واحد منهم ، وذلك بين في قوله تعالى : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " ( 5 ) [ البقرة : 207 ] . وقال ابن خويز منداد : فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان : إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن ، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا . وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من
--> ( 1 ) راجع ج 20 ص 124 . ( 2 ) راجع ج 16 ص 30 . ( 3 ) في نسخ الأصل : " بما كسبت " . راجع ج 12 ص 16 . ( 4 ) عبارة عبد المطلب كما أوردها ابن هشام في سيرته عند الكلام على حفر زمزم : " والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا لعجز . . . " الخ . ( 5 ) راجع ج 3 ص 20 .