القرطبي
33
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
هودا أو نصارى " ، وقالوا : " نحن أبناء الله وأحباؤه ( 1 ) " أكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال قل لهم يا محمد : " إن كانت لكم الدار الآخرة " يعني الجنة . " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " في أقوالكم ، لان من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة في الدنيا ، لما يصير إليه من نعيم الجنة ، ويزول عنه من أذى الدنيا ، فأحجموا عن تمنى ذلك فرقا من الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكفرهم في قولهم : " نحن أبناء الله وأحباؤه " ، وحرصهم على الدنيا ، ولهذا قال تعالى مخبرا عنهم بقوله الحق : " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين " تحقيقا لكذبهم . وأيضا لو تمنوا الموت لماتوا ، كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم ( 2 ) من النار ) . وقيل : إن الله صرفهم عن إظهار التمني ، وقصرهم على الامساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فهذه ثلاثة أوجه في تركهم التمني . وحكى عكرمة عن ابن عباس في قوله : " فتمنوا الموت " أن المراد ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم : فما دعوا لعلمهم بكذبهم . فإن قيل : فالتمني يكون باللسان تارة وبالقلب أخرى ، فمن أين علم أنهم لم يتمنوه بقلوبهم ؟ قيل له : نطق القرآن بذلك بقوله " ولن يتمنوه أبدا " ولو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ردا على النبي صلى الله عليه وسلم وإبطالا لحجته ، وهذا بين . قوله تعالى : " خالصة " نصب على خبر كان ، وإن شئت كان حالا ، ويكون " عند الله " في موضع الخبر . " أبدا " ظرف زمان يقع على القليل والكثير ، كالحين والوقت ، وهو هنا من أول العمر إلى الموت . و " ما " في قوله " بما " بمعنى الذي والعائد محذوف ، والتقدير قدمته ، وتكون مصدرية ولا تحتاج إلى عائد . و " أيديهم " في موضع رفع ، حذفت الضمة من الياء لثقلها مع الكسرة ، وإن كانت في موضع نصب حركتها ، لان النصب خفيف ، ويجوز إسكانها في الشعر . " والله عليم بالظالمين " ابتداء وخبر .
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 120 . ( 2 ) في بعض نسخ الأصل : " مقاعدهم " .