القرطبي

301

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : وهو الصحيح لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " فخاطب المؤمنين دون غيرهم ، وهذا واضح ، فلا يجب عليه الامساك في بقية اليوم ولا قضاء ما مضى . وتقدم الكلام في معنى قوله : " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ( 1 ) " والحمد لله . الثالثة عشرة - قوله تعالى : " يريد الله بكم اليسر " قراءة جماعة " اليسر " بضم السين لغتان ، وكذلك " العسر " . قال مجاهد والضحاك : " اليسر " الفطر في السفر ، و " العسر " الصوم في السفر . والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين ، كما قال تعالى : " وما جعل عليكم في الدين من حرج " [ الحج : 78 ] ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( دين الله يسر ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( يسروا ولا تعسروا ) . واليسر من السهولة ، ومنه اليسار للغنى . وسميت اليد اليسرى تفاؤلا ، أو لأنه يسهل له الامر بمعاونتها لليمنى ، قولان . وقوله : " ولا يريد بكم العسر " هو بمعنى قوله " يريد الله بكم اليسر " فكرر تأكيدا . الرابعة عشرة - دلت الآية على أن الله سبحانه مريد بإرادة قديمة أزلية زائدة على الذات . هذا مذهب أهل السنة ، كما أنه عالم بعلم ، قادر بقدرة ، حي بحياة ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، متكلم بكلام . وهذه كلها معان وجودية أزلية زائدة على الذات . وذهب الفلاسفة والشيعة إلى نفيها ، تعالى الله عن قول الزائغين وإبطال المبطلين . والذي يقطع دابر أهل التعطيل أن يقال : لو لم يصدق كونه ذا إرادة لصدق أنه ليس بذي إرادة ، ولو صح ذلك لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة ، فإن من كانت له الصفات الإرادية فله أن يخصص الشئ وله ألا يخصصه ، فالعقل السليم يقضي بأن ذلك كمال له وليس بنقصان ، حتى أنه لو قدر بالوهم سلب ذلك الامر عنه لقد كان حاله أولا أكمل بالنسبة إلى حاله ثانيا ، فلم يبق إلا أن يكون ما لم يتصف أنقص مما هو متصف به ، ولا يخفي ما فيه من المحال ، فإنه كيف يتصور أن يكون المخلوق أكمل من الخالق ، والخالق أنقص منه ، والبديهة تقضي برده وإبطاله . وقد وصف نفسه جل جلاله وتقدست أسماؤه بأنه مريد فقال تعالى :

--> ( 1 ) تراجع المسألة الأولى وما بعدها ص 276 من هذا الجزء . ( 2 ) راجع ج 12 ص 100 .