القرطبي

293

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال الشاعر : جارية في درعها الفضفاض * أبيض من أخت بني إباض جارية في رمضان الماضي * تقطع الحديث بالايماض وفضل رمضان عظيم ، وثوابه جسيم ، يدل على ذلك معنى الاشتقاق من كونه محرقا للذنوب ، وما كتبناه من الأحاديث . الثالثة - فرض الله صيام شهر رمضان أي مدة هلاله ، وبه سمي الشهر ، كما جاء في الحديث : ( فإن غمي عليكم الشهر ) أي الهلال ، وسيأتي ، وقال الشاعر : أخوان من نجد على ثقة * والشهر مثل قلامة الظفر حتى تكامل في استدارته * في أربع زادت على عشر وفرض علينا عند غمة الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما ، وإكمال عدة رمضان ثلاثين يوما ، حتى ندخل في العبادة بيقين ونخرج عنها بيقين ، فقال في كتابه " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ( 1 ) " [ النحل : 44 ] . وروى الأئمة الاثبات عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدد ) في رواية ( فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين ) . وقد ذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين وابن قتيبة من اللغويين فقالا : يعول على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان ، حتى إنه لو كان صحوا لرؤي ، لقوله عليه السلام : ( فإن أغمي عليكم فاقدروا له ) أي استدلوا عليه بمنازله ، وقدروا إتمام الشهر بحسابه . وقال الجمهور : معنى ( فاقدروا له ) فأكملوا المقدار ، يفسره حديث أبي هريرة ( فأكملوا العدة ) . وذكر الداودي أنه قيل في معنى قوله " فاقدروا له " : أي قدروا المنازل . وهذا لا نعلم أحدا قال به إلا بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين ، والاجماع حجة عليهم . وقد روى ابن نافع عن مالك في الامام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته ، وإنما يصوم ويفطر على الحساب : إنه لا يقتدى به

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 108