القرطبي

258

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بيانه . وفي الكلام تقدير واو العطف ، أي وكتب عليكم ، فلما طال الكلام أسقطت الواو . ومثله في بعض الأقوال : " لا يصلاها إلا الأشقى . الذي كذب وتولى " ( 1 ) [ الليل : 15 - 16 ] أي والذي ، فحذف . وقيل : لما ذكر أن لولي الدم أن يقتص ، فهذا الذي أشرف على من يقتص منه وهو سبب الموت فكأنما حضره الموت ، فهذا أوان الوصية ، فالآية مرتبطة بما قبلها ومتصلة بها فلذلك سقطت واو العطف . و " كتب " معناه فرض وأثبت ، كما تقدم ( 2 ) . وحضور الموت : أسبابه ، ومتى حضر السبب كنت به العرب عن المسبب ، قال شاعرهم : يا أيها الراكب المزجي مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصوت ( 3 ) وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا * قولا يبرئكم إني أنا الموت وقال عنترة : وإن الموت طوع يدي إذا ما * وصلت بنانها بالهندوان وقال جرير في مهاجاة الفرزدق : أنا الموت الذي حدثت عنه * فليس لهارب مني نجاء الثانية - إن قيل : لم قال " كتب " ولم يقل كتبت ، والوصية مؤنثة ؟ قيل له : إنما ذلك لأنه أراد بالوصية الايصاء . وقيل : لأنه تخلل فاصل ، فكان الفاصل كالعوض من تاء التأنيث ، تقول العرب : حضر القاضي اليوم امرأة . وقد حكى سيبويه : قام امرأة . ولكن حسن ذلك إنما هو مع طول الحائل . الثالثة - قوله تعالى : " إن ترك خيرا " " إن " شرط ، وفي جوابه لأبي الحسن الأخفش قولان ، قال الأخفش : التقدير فالوصية ، ثم حذفت الفاء ، كما قال الشاعر : من يفعل الحسنات الله يشكرها * والشر بالشر عند الله مثلان والجواب الاخر : أن الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده ، فيكون التقدير الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيرا . فإن قدرت الفاء فالوصية رفع بالابتداء ، وإن لم تقدر

--> ( 1 ) راجع ج 20 ص 86 . ( 2 ) راجع ص 244 من هذا الجزء . ( 3 ) الصوت مذكر ، وإنما أنثه ها هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة ، على معنى الصيحة . ( عن اللسان ) .