القرطبي
245
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقد قيل : إن " كتب " هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء . والقصاص مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه ، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار . وقص الشعر اتباع أثره ، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك ، ومنه " فارتدا على آثارهما قصصا " [ الكهف : 64 ] . وقيل : القص القطع ، يقال : قصصت ما بينهما . ومنه أخذ القصاص ، لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به ، يقال : أقص الحاكم فلانا من فلان وأباءه به فأمثله فامتثل منه ، أي اقتص منه . الثالثة - صورة القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع ، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليه وترك التعدي على غيره ، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل ، وهو معنى قوله عليه السلام : ( إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل في الحرم ورجل أخذ بذحول ( 1 ) الجاهلية ) . قال الشعبي وقتادة وغيرهما : إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان ، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد ، قتله عبد قوم آخرين قالوا : لا نقتل به إلا حرا ، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا ، وإذا قتل لهم وضيع قالوا : لا نقتل به إلا شريفا ، ويقولون : ( القتل أوقى للقتل ) بالواو والقاف ، ويروي ( أبقى ) بالباء والقاف ، ويروى ( أنفى ) بالنون والفاء ، فنهاهم الله عن البغي فقال : " كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد " الآية ، وقال " ولكم في القصاص حياة " [ البقرة : 179 ] . وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم . الرابعة - لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الامر ، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك ، لان الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص ، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم
--> ( 1 ) الذحل ( بفتح فسكون ) : قيل هو العداوة والحقد ، وقيل : الثأر وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح ، ونحو ذلك .