القرطبي

22

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا ، بمعنى فديت ، ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : فاديت نفسي وفاديت عقيلا . وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر ، تقول : فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي ، قال الشاعر : قفي فادي أسيرك إن قومي * وقومك ما أرى لهم اجتماعا الرابعة - قوله تعالى : " وهو محرم عليكم إخراجهم " " هو " مبتدأ وهو كناية عن الاخراج ، و " محرم " خبره ، و " إخراجهم " بدل من " هو " وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة ، والجملة التي بعده خبره ، أي والامر محرم عليكم إخراجهم . ف‍ " إخراجهم " مبتدأ ثان . و " محرم " خبره ، والجملة خبر عن " هو " ، وفي " محرم " ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الاخراج . ويجوز أن يكون " محرم " مبتدأ ، و " إخراجهم " مفعول ما لم يسم فاعله يسد مسد خبر " محرم " ، والجملة خبر عن " هو " . وزعم الفراء أن " هو " عماد ، وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له ، لان العماد لا يكون في أول الكلام . ويقرأ " وهو " بسكون الهاء لثقل الضمة ، كما قال الشاعر ( 1 ) : فهو لا تنمى ( 2 ) رميته * ما له لا عد من نفره وكذلك إن جئت باللام وثم ، وقد تقدم ( 3 ) . قال علماؤنا : كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتل ، وترك الاخراج ، وترك المظاهرة ، وفداء أساراهم ، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء ، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال : " أفتؤمنون ببعض الكتاب " وهو التوراة " وتكفرون ببعض " ! ! قلت : ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض ! ليت بالمسلمين ، بل بالكافرين ! حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! . قال علماؤنا : فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد . قال ابن خويز منداد : تضمنت الآية وجوب فك الاسرى ، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه

--> ( 1 ) هو امرؤ القيس ، كما في اللسان وشرح الديوان . ( 2 ) أنميت الصيد فنمى يمنى ، وذلك أن ترميه فتصيبه ويذهب عنك فيموت بعد ما يغيب . ( 3 ) يراجع ج 1 ص 261 طبعة ثانية .