القرطبي
219
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أبي سعيد الخدري وهو نص لا يحتمل . وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " المائدة ( 1 ) " إن شاء الله تعالى . الثامنة - واختلفت الرواية عن مالك في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ أولا ، فروي عنه أنه لا يطهر ، وهو ظاهر مذهبه . وروي عنه أنه يطهر ، لقوله عليه السلام ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) . ووجه قوله : لا يطهر ، بأنه جزء من الميتة لو أخذ منها في حال الحياة كان نجسا ، فوجب ألا يطهره الدباغ قياسا على اللحم . وتحمل لاخبار بالطهارة على أن الدباغ يزيل الأوساخ عن الجلد حتى ينتفع به في الأشياء اليابسة وفي الجلوس عليه ، ويجوز أيضا أن ينتفع به في الماء بأن يجعل سقاء ، لأن الماء على أصل الطهارة ما لم يتغير له وصف على ما يأتي من حكمه في سورة " الفرقان ( 2 ) " . والطهارة في اللغة متوجهة نحو إزالة الأوساخ كما تتوجه إلى الطهارة الشرعية ، والله تعالى أعلم . التاسعة - وأما شعر الميتة وصوفها فطاهر ، لما روى عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل ) . ولأنه كان طاهرا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت ، إلا أن اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت ، فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة استدلالا بالعكس . ولا يلزم على هذا اللبن والبيضة من الدجاجة الميتة ، لان اللبن عندنا طاهر بعد الموت ، وكذلك البيضة ، ولكنهما حصلا في وعاء نجس فتنجسا بمجاورة الوعاء لا أنهما نجسا بالموت . وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة والتي قبلها وما للعلماء فيهما من الخلاف في سورة " النحل ( 3 ) " إن شاء الله تعالى . العاشرة - وأما ما وقعت فيه الفأرة فله حالتان : حالة تكون إن أخرجت الفأرة حية فهو طاهر . وإن ماتت فيه فله حالتان : حالة يكون مائعا فإنه ينجس جميعه . وحالة يكون جامدا فإنه ينجس ما جاورها ، فتطرح وما حولها ، وينتفع بما بقي وهو على طهارته ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فتموت ، فقال عليه السلام :
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 50 . ( 2 ) راجع ج 13 ص 39 فما بعدها . ( 3 ) راجع ج 10 ص 195 .