القرطبي
196
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : فدل الكتاب والسنة والمعنى على إباحة ركوبه للمعنيين جميعا : العبادة والتجارة ، فهي الحجة وفيها الأسوة . إلا أن الناس في ركوب البحر تختلف أحوالهم ، فرب راكب يسهل عليه ذلك ولا يشق ، وآخر يشق عليه ويضعف به ، كالمائد ( 1 ) المفرط الميد ، ومن لم يقدر معه على أداء فرض الصلاة ونحوها من الفرائض ، فالأول ذلك له جائز ، والثاني يحرم عليه ويمنع منه . لا خلاف بين أهل العلم وهي : الخامسة - إن البحر إذا أرتج ( 2 ) لم يجز ركوبه لاحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه ولا في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة ، وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمن تكون السلامة فيه الأغلب ، فإن الذين يركبونه حال السلامة وينجون لا حاصر لهم ، والذين يهلكون فيه محصورون . السادسة - قوله تعالى : " بما ينفع الناس " أي بالذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم . وبركوب البحر تكتسب الأرباح ، وينتفع من يحمل إليه المتاع أيضا . وقد قال بعض من طعن في الدين : إن الله تعالى يقول في كتابكم : " ما فرطنا في الكتاب من شئ ( 3 ) " فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من الملح والفلفل وغير ذلك ؟ فقيل له في قوله : " بما ينفع الناس " . السابعة - قوله تعالى : " وما أنزل الله من السماء من ماء " يعني بها الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق ، وجعل منه المخزون عدة للانتفاع في غير وقت نزوله ، كما قال تعالى : " فأسكناه في الأرض ( 4 ) " . الثامنة - قوله تعالى : " وبث فيها من كل دابة " أي فرق ونشر ، ومنه " كالفراش المبثوث ( 5 ) " . ودابة تجمع الحيوان كله ، وقد أخرج بعض الناس الطير ، وهو مردود ،
--> ( 1 ) المائد : الذي يركب البحر فتغثى نفسه حتى يدار به ويكاد يغشى عليه . ( 2 ) أرتج البحر : إذا هاج . وقيل : إذا كثر ماؤه فعم كل شئ . ( 3 ) راجع ج 6 ص 420 . ( 4 ) راجع ج 12 ص 112 . ( 5 ) راجع ج 20 ص 165 .