القرطبي

172

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

كل شئ ، وحفظ الله عليه كل شئ ، وكان له عوضا من كل شئ . وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله . والأحاديث في فضل الذكر وثوابه كثيرة خرجها الأئمة . روى ابن ماجة عن عبد الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن شرائع الاسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشئ أتشبث به ، قال : ( لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل ) . وخرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله عز وجل يقول أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه ) . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان عند قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذ كروا الله ذكرا كثيرا ( 1 ) " وأن المراد ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات . قوله تعالى : " واشكروا لي ولا تكفرون " قال الفراء يقال : شكرتك وشكرت لك ، ونصحتك ونصحت لك ، والفصيح الأول ( 2 ) . والشكر معرفة الاحسان والتحدث به ، وأصله في اللغة الظهور ، وقد تقدم ( 3 ) . فشكر العبد لله تعالى ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه ، وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له ، إلا أن شكر العبد نطق باللسان وإقرار بالقلب بإنعام الرب مع الطاعات . قوله تعالى : " ولا تكفرون " نهي ، ولذلك حذفت منه نون الجماعة ، وهذه نون المتكلم . وحذفت الياء لأنها رأس آية ، وإثباتها أحسن في غير القرآن ، أي لا تكفروا نعمتي وأيادي . فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب . وقد مضى القول في الكفر ( 4 ) لغة ، مضى القول في معنى الاستعانة ( 5 ) بالصبر والصلاة ، فلا معنى للإعادة . قوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموت بل أحياء ولكن لا تشعرون ( 154 )

--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 197 . ( 2 ) الذي في معاجم اللغة أن الفصيح الثاني . ( 3 ) تراجع المسألة الثالثة وما بعدها ج 1 ص 397 طبعة ثانية . ( 4 ) يراجع ج 1 ص 183 . ( 5 ) يراجع ج 1 ص 371 طبعة ثانية .