القرطبي

133

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" وفي أنفسكم أفلا تبصرون " أشار إلى هذا الخطابي رحمه الله تعالى . وسيأتي له مزيد بيان في سورة " والذاريات ( 1 ) " إن شاء الله تعالى . وقد استدل بهذه الآية من قال : إن شريعة إبراهيم شريعة لنا إلا ما نسخ منها ، وهذا كقوله : " ملة أبيكم إبراهيم ( 2 ) " ، " أن اتبع ملة إبراهيم ( 3 ) " . وسيأتي بيانه . قوله تعالى : " ولقد اصطفيناه في الدنيا " أي اخترناه للرسالة فجعلناه صافيا من الأدناس والأصل في " اصطفيناه " اصتفيناه ، أبدلت التاء طاء لتناسبها ( 4 ) مع الصاد في الاطباق . واللفظ مشتق من الصفوة ، ومعناه تخير الأصفى . قوله تعالى : " وإنه في الآخرة لمن الصالحين " الصالح في الآخرة هو الفائز . ثم قيل : كيف جاز تقديم " في الآخرة " وهو داخل في الصلة ، قال النحاس : فالجواب أنه ليس التقدير إنه لمن الصالحين في الآخرة ، فتكون الصلة قد تقدمت ، ولأهل العربية فيه ثلاثة أقوال : منها أن يكون المعنى وإنه صالح في الآخرة ، ثم حذف . وقيل : " في الآخرة " متعلق بمصدر محذوف ، أي صلاحه في الآخرة . والقول الثالث : أن " الصالحين " ليس بمعنى الذين صلحوا ، ولكنه اسم قائم بنفسه ، كما يقال الرجل والغلام . قلت : وقول زابع أن المعنى وإنه في عمل الآخرة لمن الصالحين ، فالكلام على حذف مضاف . وقال الحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير ، مجازه ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين . وروى حجاج بن حجاج - وهو حجاج الأسود ، وهو أيضا حجاج الأحول المعروف بزق العسل - قال : سمعت معاوية بن قرة يقول : اللهم إن الصالحين أنت أصلحتهم ورزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم ، اللهم كما أصلحتهم فأصلحنا ، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل بطاعتك ، وأرض عنا .

--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 40 . ( 2 ) راجع ج 12 ص 101 . ( 3 ) راجع ج 10 ص 198 . ( 4 ) في أ : " لتشابهها . . . " .