القرطبي

40

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية - بين تعالى في هذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار ، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن ، أعظم للاجر ، وأجلب للثواب . واختلف العلماء في المراد بناشئة الليل ، فقال ابن عمر وأنس بن مالك : هو ما بين المغرب والعشاء ، تمسكا بأن لفظ نشأ يعطي الابتداء ، فكان بالأولية أحق ، ومنه قول الشاعر : ولولا أن يقال صبا نصيب * لقلت بنفسي النشأ الصغار وكان علي بن الحسين يصلي بين المغرب والعشاء ويقول : هذا ناشئة الليل . وقال عطاء وعكرمة : إنه بدء الليل . وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : هي الليل كله ، لأنه ينشأ بعد النهار ، وهو الذي اختاره مالك بن أنس . قال ابن العربي : وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة . وقالت عائشة وابن عباس أيضا ومجاهد : إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم . ومن قام أول الليل قبل النوم فما قام ناشئة . فقال يمان وابن كيسان : هو القيام من آخر الليل . وقال ابن عباس : كانت صلاتهم أول الليل . وذلك أن الانسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ . وفي الصحاح : وناشئة الليل أول ساعاته . وقال القتبي : إنه ساعات الليل ، لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة . وعن الحسن ومجاهد : هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح . وعن الحسن أيضا : ما كان بعد العشاء فهو ناشئة . ويقال : ما ينشأ في الليل من الطاعات ، حكاه الجوهري . الثانية - قوله تعالى : ( هي أشد وطئا ) قرأ أبو العالية وأبو عمرو وابن أبي إسحاق ومجاهد وحميد وابن محيصن وابن عامر والمغيرة وأبو حياة " وطاء " بكسر الواو وفتح الطاء والمد ، واختاره أبو عبيد . الباقون " وطئا " بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة ، واختاره أبو حاتم ، من قولك : اشتدت على القوم وطأة سلطانهم . أي ثقل عليهم ما حملهم من المؤن ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر ) فالمعنى أنها أثقل على المصلي من ساعات النهار . وذلك أن الليل وقت منام وتودع وإجمام ، فمن شغله بالعبادة فقد تحمل المشقة العظيمة . ومن مد فهو مصدر واطأت وطاء ومواطأة أي وافقته . ابن زيد واطأته على الامر مواطأة : إذا وافقته من الوفاق ، وفلان يواطئ اسمه اسمي ، وتواطئوا عليه أي توافقوا ، فالمعنى أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان ، لانقطاع الأصوات