القرطبي

32

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

و " المتدثر " . وسعيد : " المزمل " ( 1 ) . وفي أصل " المزمل " قولان : أحدهما أنه المحتمل ، يقال : زمل الشئ إذا حمله ، ومنه الزاملة ، لأنها تحمل القماش ( 2 ) . الثاني أن المزمل هو المتلفف ، يقال : تزمل وتدثر بثوبه إذا تغطي . وزمل غيره إذا غطاه ، وكل شئ لفف فقد زمل ودثر ، قال أمرؤ القيس : * كبير أناس في بجاد مزمل ( 3 ) * الثانية - قوله تعالى : " يا أيها المزمل " هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه ثلاثة أقوال : الأول قول عكرمة : " يا أيها المزمل " بالنبوة والملتزم للرسالة . وعنه أيضا : يا أيها الذي زمل هذا الامر أي حمله ثم فتر ، وكان يقرأ : " يا أيها المزمل " بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها على حذف المفعول ، وكذلك " المدثر " والمعنى المزمل نفسه والمدثر نفسه ، أو الذي زمله غيره . الثاني : " يا أيها المزمل " بالقرآن ، قاله ابن عباس . الثالث المزمل بثيابه ، قاله قتادة وغيره . قال النخعي : كان متزملا بقطيفة . عائشة : بمرط طوله أربعة عشر ذراعا ، نصفه علي وأنا نائمة ، ونصفه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، والله ما كان خزا ولا قزا ولا مرعزاء ( 4 ) ولا إبريسما ولا صوفا ، كان سداه شعرا ، ولحمته وبرا ، ذكره الثعلبي . قلت : وهذا القول من عائشة يدل على أن السورة مدنية ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبن بها إلا في المدينة . وما ذكر من أنها مكية لا يصح . والله أعلم . وقال الضحاك : تزمل بثيابه لمنامه . وقيل : بلغه من المشركين سوء قول فيه ، فاشتد عليه فتزمل في ثيابه وتدثر ، فنزلت : " يا أيها المزمل " [ المزمل : 1 ] و " يا أيها المدثر " [ المدثر : 1 ] . وقيل : كان هذا في ابتداء ما أوحى إليه ، فإنه لما سمع قول الملك ونظر إليه أخذته الرعدة فأتى أهله فقال : ( زملوني دثروني ) روي معناه عن ابن عباس . وقالت الحكماء : إنما خاطبه بالمزمل والمدثر في أول الأمر ، لأنه لم يكن بعد ادثر شيئا من تبليغ الرسالة . قال ابن العربي : واختلف في تأويل : " يا أيها

--> ( 1 ) لعل هذا ما أراده بعض المفسرين بقولهم : قرأ بعض السلف ( المزمل ) بفتح الزاي وتخفيفها وفتح الميم وشدها . ( 2 ) القماش : أرد أمتاع البيت ويقال له : سقط المتاع . ( 3 ) صدر البيت : * كأن أبانا في أفانين ودقه * ( 4 ) المرعزاء ( بكسر الميم والعين ) : الزغب الذي تحت شعر العنز .