القرطبي

291

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

نارا لا تطفأ ، فقذفا جميعا أنفسهما في النار ، فجعلها الله وابنها في الجنة . فقذف في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانا . وقال ابن إسحاق عن وهب بن منبه : كان رجل من بقايا أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام ، يقال له قيميون ( 1 ) ، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة ، وكان سائحا في القرى ، لا يعرف بقرية إلا مضى عنها ، وكان بناء يعمل الطين . قال محمد بن كعب القرظي ، وكان أهل نجران أهل شرك يعبدون الأصنام ، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر ، فلما نزل بها قيميون ، بنى بها خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر ، فجعل أهل نجران يبعثون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر ، فبعث إليه الثامر عبد الله بن الثامر ، فكان مع غلمان أهل نجران ، وكان عبد الله إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من أمر صلاته وعبادته ، فجعل يجلس إليه ويسمع منه ، حتى أسلم ، فوحد الله وعبده ، وجعل يسأله عن اسم الله الأعظم ، وكان الراهب يعلمه ، فكتمه إياه وقال : يا ابن أخي ، إنك لن تحمله ، أخشى ضعفك عنه ، وكان أبو الثامر لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان . فلما رأى عبد الله أن الراهب قد بخل عليه بتعليم اسم الله الأعظم ، عمد إلى قداح ( 2 ) فجمعها ، ثم لم يبق لله تعالى اسما يعلمه إلا كتبه في قدح ، لكل اسم قدح ، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا ، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا ، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه ، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شئ ، فأخذه ثم قام إلى صاحبه ، فأخبره أنه قد علم اسم الله الأعظم الذي كتمه إياه ، فقال : وما هو ؟ قال : كذا وكذا . قال : وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع . فقال له : يا ابن أخي ، قد أصبته ، فأمسك على نفسك ، وما أظن أن تفعل . فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال : يا عبد الله ، أتوحد الله وتدخل في ديني ، فأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء ؟ فيقول : نعم ، فيوحد الله ويسلم ، فيدعوا الله له فيشفى ، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على دينه ودعا له فعوفي ، حتى رفع شأنه إلى ملكهم ، فدعاه فقال له :

--> ( 1 ) في ا ، ح ، و ، تاريخ الطبري : ( فيمون ) بالفاء . ( 2 ) القدح ( بالكسر ) : السهم قبل أن ينصل ويراش جمعه قداح .