القرطبي

287

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

المستطيل في الأرض كالخندق ، وجمعه أخاديد . ومنه الخد لمجاري الدموع ، والمخدة ، لان الخد يوضع عليها . ويقال : تخدد وجه الرجل : إذا صارت فيه أخاديد من جراح . قال طرفة : ووجه كأن الشمس حلت رداءها * عليه نقي اللون لم يتخدد ( النار ذات الوقود ) " النار " بدل من " الأخدود " بدل الاشتمال . و " الوقود " بفتح الواو قراءة العامة وهو الحطب . وقرأ قتادة وأبو رجاء ونصر بن عاصم ( بضم الواو ) على المصدر ، أي ذات الاتقاد والالتهاب . وقيل : ذات الوقود بأبدان الناس . وقرأ أشهب العقيلي وأبو السمال العدوي وابن السميقع " النار ذات " بالرفع فيهما ، أي أحرقتهم النار ذات الوقود . ( إذ هم عليها قعود ) أي الذين خددوا الأخاديد وقعدوا عليها يلقون فيها المؤمنين ، وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم . وقد اختلفت الرواة في حديثهم . والمعنى متقارب . ففي صحيح مسلم عن صهيب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان ملك فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر ، فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث إلى غلاما أعلمه السحر ، فبعث إليه غلاما يعلمه ، فكان في طريقه إذا سلك ، راهب ، فقعد إليه وسمع كلامه ، فأعجبه ، فكان إذا أتى الساحر م بالراهب وقعد إليه ، فإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خشيت الساحر فقل : حبسني أهلي . وإذا خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر . فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس ، فقال : اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل ؟ فأخذ حجرا فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة ، حتى يمضي الناس ، فرماها فقتلها ومضى الناس . فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب : أي بني ، أنت اليوم أفضل مني ، قد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستبتلي ، فإن أبتليت فلا تدل علي . وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ، ويداوي الناس من سائر الأدواء . فسمع جليس للملك كان قد عمى ، فأتاه بهدايا كثيرة فقال : ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني . فقال : إني لا أشفى أحدا ، إنما