القرطبي

278

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( والقمر إذا اتسق ) أي تم وأجتمع واستوى . قال الحسن : اتسق : أي امتلأ واجتمع . ابن عباس : استوى . قتادة : استدار . الفراء : اتساقه : امتلاؤه واستواؤه ليالي البدر ، وهو افتعال من الوسق الذي هو الجمع ، يقال : وسقته فاتسق ، كما يقال : وصلته فاتصل ، ويقال : أمر فلان متسق : أي مجتمع على الصلاح منتظم . ويقال : اتسق الشئ : إذا تتابع : ( لتركبن طبقا عن طبق ) قرأ أبو عمر وابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومسروق وأبو وائل ومجاهد والنخعي والشعبي وابن كثير وحمزة والكسائي " لتركبن " بفتح الباء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي لتركبن يا محمد حالا بعد حال ، قاله ابن عباس . الشعبي : لتركبن يا محمد سماء بعد سماء ، ودرجة بعد درجة ، ورتبه بعد رتبة ، في القربة من الله تعالى . ابن مسعود : لتركبن السماء حالا بعد حال ، يعني حالاتها التي وصفها الله تعالى بها من الانشقاق والطي وكونها مرة كالمهل ومرة كالدهان . وعن إبراهيم عن عبد الأعلى : " طبقا عن طبق " قال : السماء تقلب حالا بعد حال . قال : تكون وردة كالدهان ، وتكون كالمهل ، وقيل : أي لتركبن أيها الانسان حالا بعد حال ، من كونك نطفة ثم علقه ثم مضغة ثم حيا وميتا وغنيا وفقيرا . فالخطاب للانسان المذكور في قوله : " يا أيها الانسان إنك كادح " هو اسم للجنس ، ومعناه الناس . وقرأ الباقون " لتركبن " بضم الباء ، خطابا للناس ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، قال : لان المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه وسلم ، لما ذكر قبل هذه الآية فمن أوتى كتابه بيمينه ومن أوتى كتابه بشماله . أي لتركبن حالا بعد حال من شدائد القيامة ، أو لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب واختلاق على الأنبياء . قلت : وكله مراد ، وقد جاءت بذلك أحاديث ( 1 ) ، فروى أبو نعيم الحافظ عن جعفر بن محمد بن علي عن جابر رضي الله عنه ، قال سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل ، إن الله لا إله غيره إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه وأثره وأجله ، واكتب شقيا أو سعيدا ، ثم يرتفع ذلك الملك ، ويبعث الله ملكا

--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 14 .