القرطبي
266
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
إنما خلطه مسك ، قال : شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر أشربتهم ، لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها ، لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها . وروى أبي بن كعب قال : قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم ؟ قال : ( غدران الخمر ) . وقيل : مختوم في الآنية ، وهو غير الذي يجري في الأنهار . فالله أعلم . ( وفط ذلك ) أي وفي الذي وصفناه من أمر الجنة ( فليتنافس المتنافسون ) أي فليرغب الراغبون يقال : نفست عليه الشئ أنفسه نفاسة : أي ضننت به ، ولم أحب أن يصير إليه . وقيل : الفاء بمعنى إلى ، أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل ، نظيره : " لمثل هذا فليعمل العاملون " . ( ومزاجه ) أي ومزاج ذلك الرحيق ( من تسنيم ) وهو شراب ينصب عليهم من علو ، وهو أشرف شراب في الجنة . وأصل التسنيم في اللغة : الارتفاع فهي عين ماء تجري من علو إلى أسفل ، ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه ، وكذلك تسنيم القبور . وروي عن عبد الله قال : تسنيم عين في الجنة يشرب بها المقربون صرفا ، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب . وقال ابن عباس في قوله عز وجل : " ومزاجه من تسنيم " قال : هذا مما قال الله تعالى : " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " [ السجدة : 17 ] . وقيل : التسنيم عين تجري في الهواء بقدرة الله تعالى ، فتنصب في أواني أهل الجنة على قدر مائها ، فإذا امتلأت أمسك الماء ، فلا تقع منه قطرة على الأرض ، ولا يحتاجون إلى الاستقاء ، قاله قتادة ، ابن زيد : بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش . وكذا في مراسيل الحسن . وقد ذكرناه في سورة " الانسان " ( 1 ) . ( عينا يشرب بها المقربون ) أي يشرب منها أهل جنة عدن ، وهم أفاضل أهل الجنة ، صرفا ، وهي لغيرهم مزاج . و " عينا " نصب على المدح . وقال الزجاج : نصب على الحال من تسنيم ، وتسنيم معرفة ، ليس يعرف له اشتقاق ، وإن جعلته مصدرا مشتقا من السنام ف " - عينا " نصب ، لأنه مفعول به ، كقوله تعالى : " أو إطعام في يوم ذي مسغبة . يتيما " [ البلد : 14 - 15 ] وهذا قول الفراء إنه منصوب بتسنيم . وعند الأخفش ب " - يسقون " أي يسقون عينا أو من عين . وعند المبرد بإضمار أعني على المدح .
--> ( 1 ) راجع ص 120 من هذا الجزء .