القرطبي
218
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فقال : [ اللهم سلط عليه كلبك أسد الغاضرة ] ( 1 ) فخرج من فوره بتجارة إلى الشام ، فلما انتهى إلى الغاضرة تذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل لمن معه ألف دينار إن هو أصبح حيا ، فجعلوه في وسط الرفقة ، وجعلوا المتاع حوله ، فبينما هم على ذلك أقبل الأسد ، فلما دنا من الرحال وثب ، فإذا هو فوقه فمزقه ، وقد كان أبوه ندبه وبكى وقال : ما قال محمد شيئا قط إلا كان . وروى أبو صالح عن ابن عباس " ما أكفره " : أي شئ أكفره ؟ وقيل : " ما " تعجب ، وعادة العرب إذا تعجبوا من شئ قالوا : قاتله الله ما أحسنه ! وأخزاه الله ما أظلمه ، والمعنى : اعجبوا من كفر الانسان لجميع ما ذكرنا بعد هذا . وقيل : ما أكفره بالله ونعمه مع معرفته بكثرة إحسانه إليه على التعجب أيضا ، قال ابن جريج : أي ما أشد كفره ! وقيل : " ما " استفهام أي أي شئ دعاه إلى الكفر ، فهو استفهام توبيخ . و " ما " تحتمل التعجب ، وتحتمل معنى أي ، فتكون استفهاما . ( من أي شئ خلقه ) أي من أي شئ خلق الله هذا الكافر فيتكبر ؟ أي أعجبوا لخلقه . " من نطفة " أي من ماء يسير مهين جماد " خلقه " فلم يغلط في نفسه ؟ ! قال الحسن : كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين . " فقدره " في بطن أمه . كذا روى الضحاك عن ابن عباس : أي قدر يديه ورجليه وعينيه وسائر آرابه ، وحسنا ودميما ، وقصيرا وطويلا ، وشقيا وسعيدا . وقيل : " فقدره " أي فسواه كما قال : " أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا " . وقال : " الذي خلقك فسواك " . وقيل : " فقدره " أطوارا أي من حال إلى حال ، نطفة ثم علقة ، إلى أن تم خلقه . ( ثم السبيل يسره ) قال ابن عباس في رواية عطاء وقتادة والسدي ومقاتل : يسره للخروج من بطن أمه . مجاهد : يسره لطريق الخير والشر ، أي بين له ذلك . دليله : " إنا هديناه السبيل " و " هديناه النجدين " . وقاله الحسن وعطاء وابن عباس أيضا في رواية أبي صالح عنه . وعن مجاهد أيضا قال : سبيل
--> ( 1 ) كذا لفظ الحديث في الأصول ورواية أبي حيان له : ( اللهم ابعث عليه كلبك يأكله " ثم قال : فلما انتهى إلى الغاضرة . . . الخ .